بعد تنفيذ أكبر عملية تطوير لقطاع الغزل والنسيج في مصر، برزت الحاجة إلى الحفاظ على كفاءة المعدات وجودة الإنتاج لسنوات طويلة، وهو ما يضع الصيانة الذكية وترشيد الطاقة في صدارة عوامل استدامة التكنولوجيا الحديثة داخل المصانع الجديدة.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد طرح هذا التساؤل منذ افتتاح مجمع الروبيكي العملاق للغزل والنسيج عام 2021، حين تساءل عن قدرة الدولة على الحفاظ على هذه التكنولوجيا المتقدمة بنفس الكفاءة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يظل التحدي الأهم بعد انتهاء مرحلة الإنشاء والتطوير.

الصيانة التنبؤية الذكية أساس استمرار التشغيل

وقال المهندس أشرف بدوي، خبير صناعة الغزل، لـ"نبأ العرب"، إن امتلاك المصانع أحدث خطوط الإنتاج لا يكفي وحده، ما لم يُصاحَب بمنظومة صيانة تنبؤية ذكية تعتمد على المراقبة المستمرة لحالة الماكينات قبل حدوث الأعطال، بما يضمن استقرار التشغيل وتقليل التوقفات المفاجئة.

وأوضح بدوي أن هذه المنظومة تشمل مراجعة دورية لجميع المعدات كل شهرين أو ثلاثة أشهر باستخدام أجهزة قياس وتشخيص حديثة، من بينها أجهزة الكشف عن تسربات الهواء المضغوط، وأجهزة تحليل الأحمال الكهربائية للمحركات، وأجهزة قياس الاهتزازات، وأجهزة التصوير والقياس الحراري.

وأشار إلى أن أجهزة الكشف عن تسربات الهواء المضغوط تسهم في خفض استهلاك الطاقة داخل المصانع التي تعتمد بصورة كبيرة على الهواء المضغوط، بينما تساعد أجهزة تحليل الأحمال الكهربائية على اكتشاف أي زيادة غير طبيعية في استهلاك الكهرباء والحفاظ على العمر التشغيلي للمحركات.

وأضاف أن أجهزة قياس الاهتزازات تساعد على اكتشاف الأعطال الميكانيكية مبكرًا والحفاظ على جودة المنتج النهائي، فيما تكشف أجهزة التصوير والقياس الحراري ارتفاع درجات الحرارة قبل تحولها إلى أعطال جسيمة.

ولفت إلى أن هذه الأنظمة تطبق بصورة منتظمة في معظم دول شرق آسيا، باعتبارها من أهم أدوات الحفاظ على كفاءة الماكينات واستدامة الجودة والإنتاج.

ترشيد الطاقة ضرورة اقتصادية

وأكد خبير صناعة الغزل أن تكلفة القطن تمثل نحو 65% من إجمالي تكلفة إنتاج الخيوط، بينما تمثل الطاقة الكهربائية أكثر من 20% من إجمالي تكاليف التشغيل، وهو ما يجعل برامج ترشيد الطاقة ضرورة اقتصادية وليست خيارًا.

وأضاف أن أهمية ذلك تدفع إلى تشكيل فرق متخصصة لتطبيق برامج مراجعة كفاءة الطاقة، وهي منظومة تعتمدها مصانع الغزل في دول شرق آسيا منذ سنوات طويلة، وتهدف إلى تحليل استهلاك الطاقة في جميع مراحل الإنتاج، واكتشاف مصادر الفاقد، ووضع حلول عملية لتقليل الاستهلاك دون التأثير على الإنتاجية أو الجودة.

وشدد بدوي على أن النجاح الحقيقي لأي منظومة صناعية لا يعتمد على شراء أحدث المعدات فقط، بل يبدأ من تطوير العنصر البشري القادر على تشغيل هذه التكنولوجيا والمحافظة عليها وتحقيق أعلى استفادة منها.

تفصيلة بسيطة توفر ملايين الجنيهات

وضرب مثالًا على أهمية الإدارة الفنية السليمة باستخدام مواسير الغزل الحلقي، موضحًا أن المواسير المستخدمة حاليًا يتراوح وزنها بين 37 و40 جرامًا، بينما تستخدم مصانع شرق آسيا مواسير حديثة يقل وزنها عن 30 جرامًا، مع احتفاظها بمتانة أعلى وسُمك أقل ومقاومة أكبر للخدوش والكسر.

وقال إن هذا التطوير يؤدي إلى خفض استهلاك الطاقة وزيادة كمية الخيط على الماسورة ورفع الإنتاجية وتقليل معدلات القطوع أثناء التشغيل وخفض نسبة العوادم وتحسين جودة المنتج النهائي.

وبحسب الدراسات الصناعية، يحقق استخدام هذه المواسير الحديثة وفرًا في الطاقة يصل إلى نحو 33.5 ميجاوات/ساعة سنويًا لكل ماكينة، بما يعادل وفرًا ماليًا يقارب 1835 دولارًا سنويًا للماكينة الواحدة، وفي حالة مجمع غزل المحلة يمكن أن تتجاوز قيمة الوفر السنوي 17 مليون جنيه نتيجة هذا الإجراء وحده.

خطأ شائع يرفع تكاليف الإنتاج

وحذر بدوي من أحد الأخطاء الشائعة في بعض المصانع، والمتمثل في شراء مواسير تقليدية منخفضة الجودة من السوق المحلية، موضحًا أنها تتعرض للخدوش بسهولة، ما يؤدي إلى زيادة معدلات قطع الخيط، خاصة في بداية ونهاية التشغيل حيث تكون مراحل الشد أكثر حساسية.

وأضاف أن البعض يعتقد أن الماسورة الأثقل والأكثر سُمكًا أفضل تشغيلًا، لكن الخبرات الصناعية العالمية تؤكد عكس ذلك، لأن زيادة الوزن ترفع استهلاك الطاقة وتزيد معدلات القطوع والعوادم، وهو ما ينعكس على تكاليف التشغيل والحاجة إلى عمالة إضافية.

وأشار إلى أن المواسير الحديثة خفيفة الوزن أكثر متانة وأقل تعرضًا للخدوش وتحقق أداءً تشغيليًا أفضل، وهو ما يفسر اعتمادها في كبرى مصانع الغزل بدول شرق آسيا.

توزيع استهلاك الطاقة داخل مصنع الغزل

وأوضح خبير صناعة الغزل أن إنتاج كيلو جرام واحد من خيط 80/1 ممشط كومباكت يستهلك ما بين 3.6 و4.5 كيلووات/ساعة، بحسب نوع الخام وسرعات التشغيل وإعدادات البرم.

ويتوزع استهلاك الكهرباء داخل المصنع بين خط التنظيف بواقع 0.4 إلى 0.5 كيلووات/ساعة لكل كيلوجرام، وقسم التمشيط والتحضيرات بواقع 0.6 إلى 0.7 كيلووات/ساعة لكل كيلوجرام، والبرم بواقع 0.3 إلى 0.4 كيلووات/ساعة لكل كيلوجرام.

كما يستهلك الغزل الحلقي الكومباكت ما بين 2 و2.5 كيلووات/ساعة لكل كيلوجرام، وهو القسم الأعلى استهلاكًا للطاقة ويمثل ما بين 50 و60% من إجمالي استهلاك المصنع، بينما يصل استهلاك التدوير إلى 0.3 إلى 0.4 كيلووات/ساعة لكل كيلوجرام، والترطيب والإضاءة والخدمات إلى 0.5 إلى 0.6 كيلووات/ساعة لكل كيلوجرام.

رؤية مستقبلية

واختتم بدوي بالتأكيد على أن الحفاظ على الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في تطوير صناعة الغزل والنسيج يتطلب الانتقال من مرحلة إنشاء المصانع إلى مرحلة الإدارة الذكية للأصول الصناعية، عبر تطبيق الصيانة التنبؤية الذكية ومراجعة كفاءة الطاقة بصورة دورية وتدريب الكوادر الفنية وتطبيق أحدث الحلول التي أثبتت نجاحها في دول شرق آسيا.

وقال إن استدامة التكنولوجيا لا تتحقق بشراء أحدث الماكينات فقط، وإنما بالحفاظ عليها ورفع كفاءتها باستمرار وتحويل كل فرصة لتوفير الطاقة إلى زيادة في القدرة التنافسية للصناعة المصرية في الأسواق العالمية.