شهدت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي ضمن فعاليات قمة مجموعة السبع G7 بمدينة إيفيان الفرنسية اهتماما دوليا لافتا، في وقت تؤكد فيه القاهرة حضورها كطرف محوري في رسم ملامح الاستقرار الإقليمي وتهدئة التوترات.

وتأتي هذه المشاركة بدعوة من الدولة المضيفة فرنسا، وتبرز بحسب مصادر دبلوماسية فرنسية حرص باريس على الاستماع إلى رؤية الرئيس السيسي وخبرته في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، مع التأكيد أن صوته يحظى بتأثير معتبر داخل القمة.

وأشارت الرئاسة الفرنسية إلى أن دعوة الرئيس السيسي شملت مشاركته في مجمل أعمال قمة مجموعة السبع، بينما نقل مصدر مطلع من قصر الإليزيه أن مصر تضطلع بدور بارز لأنها دولة إفريقية وعربية كبرى تقف على مسافة من مختلف الصراعات، مع امتلاكها ثقلًا ومصداقية على الساحة الإقليمية.

كما أكدت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية أن الدعوة جاءت تقديرا لدور الرئيس السيسي المحوري في الوساطات الإقليمية وثقة في قدرته على المساهمة في صياغة حلول للأزمات بالمنطقة، وذلك عبر ما ذكره المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو.

رؤية مصر خلال جلسة الشرق الأوسط

وخلال الجلسة رفيعة المستوى بعنوان الخروج من الأزمات وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط، قدم الرئيس السيسي رؤية مصر لحل أزمات المنطقة بمحددات واضحة، حيث أكد أنه لا بديل عن حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، ودعا إلى تسريع تنفيذ خطة الإدارة الأمريكية للسلام في غزة.

وشدد الرئيس السيسي على ضرورة وقف المخططات الإسرائيلية الرامية لتوسيع نطاق السيطرة على قطاع غزة ومنع ضم الضفة الغربية، مع التأكيد على استعداد مصر للتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتحقيق حلول مستدامة.

وتضمن خطاب الرئيس إدانة الاعتداءات التي تستهدف دول الخليج العربي، مع إعادة التأكيد أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

كما أوضح الرئيس أن استعادة الاستقرار الإقليمي تتطلب احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وإنهاء الاحتلال والالتزام بقواعد القانون الدولي وحصر السلاح في يد المؤسسات الشرعية للدول الوطنية.

ودعا الرئيس إلى صياغة ترتيبات أمن جماعي إقليمي تراعي شواغل جميع الأطراف، والالتزام بالقانون الدولي في إدارة الموارد المشتركة العابرة للحدود وعلى رأسها الأمن المائي وأمن الطاقة وأمن الممرات الملاحية، مع العمل على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وتطبيق نظام منع الانتشار النووي بصورة شاملة وغير انتقائية.

واستشهد الرئيس بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كنموذج تاريخي لإرساء الالتزامات، وحذر من تقويض التوافقات الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة والتهدئة مع إيران، مشيرا إلى أن عدم انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس المحتلة في لبنان أدى إلى تفاقم الأوضاع.

كما جدد الرئيس التأكيد على الدور الجوهري للرئيس ترامب في تسوية أزمات المنطقة.

إشادات من قادة مشاركين وتصريحات كندية وإيطالية

وبحسب ما ورد، حظي حديث الرئيس ورؤيته الشاملة بإشادات واسعة من القادة المشاركين في الجلسة، حيث أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن السلام لا يتحقق إلا بالاعتماد على صيغ اتفاقات تاريخية مثل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية مع التشديد على أهمية التوصل لحل عادل للفلسطينيين.

وفي المقابل أثنى رئيس الوزراء الكندي على الدور الكبير والجهود التي بذلها الرئيس السيسي بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل لاتفاق لوقف الحرب في قطاع غزة وإعادة الاستقرار.

لقاءات ثنائية على هامش القمة

على هامش قمة إيفيان شهدت أروقة اللقاءات حركة دبلوماسية مصرية نشطة عبر مباحثات رفيعة المستوى شملت لقاء الرئيس السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أثنى على جهود مصر ومساعيها الداعمة للمسار التفاوضي ووقف التصعيد، كما أكد دعمه الكامل واللامحدود لمصر أمام الصحافة في إيفيان.

وذكر ترامب كواليس لقائهما الأول عام 2016 ووصف العلاقة بينهما بالتوثيق الكبير، بينما وصف الرئيس السيسي بأنه صديق منذ اليوم الأول ورئيس مصر العظيم ورجل نبيلا وفق ما ورد عنه.

كما التقى الرئيس السيسي بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي أكد أن برلين تنظر إلى مصر كشريك استراتيجي قوي لألمانيا وللاتحاد الأوروبي لمواجهة التحديات المشتركة وتحقيق التكامل الاقتصادي بين جانبي المتوسط، واتفق الزعيمان على دعم الحلول السلمية للقضية الفلسطينية والأزمة الإيرانية بما يحفظ مقدرات الشعوب.

<p والتقى كذلك الرئيس السيسي بالسيدة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية التي أشادت بمقاربات مصر تجاه أزمات المنطقة وبحجم التقارب في المواقف بين الجانبين، ثم تبع ذلك لقاء مع أنطونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي الذي أعرب عن تقديره لجهود مصر في دعم مسارات التفاوض والتهدئة والتنسيق الوثيق بين مصر والاتحاد الأوروبي لتحقيق السلم الدولي.

ومن اللقاءات أيضا التقى الرئيس السيسي بالرئيس لولا دا سيلفا رئيس جمهورية البرازيل الاتحادية الذي أعرب عن سعادته بالاجتماع مجددا مؤكدا تقديره لجهود مصر لاستعادة الاستقرار ودعم بلاده للمقاربات المصرية القائمة على أولوية الحلول السلمية المستدامة والشاملة لأزمات الشرق الأوسط والقارة الأفريقية.

قراءة دبلوماسية لدلالات المشاركة

وفي قراءة تحليلية لأبعاد المشاركة أكد السفير الدكتور طارق دحروج سفير مصر لدى باريس ومندوبها الدائم لدى منظمة اليونسكو أن حرص الرئيس إيمانويل ماكرون على مشاركة السيد الرئيس يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين القاهرة وباريس ويبرز الثقل السياسي والمكانة المحورية التي تتمتع بها مصر إقليميا ودوليا.

<p وأضاف دحروج أن الدعوة تجسد تقديرا دوليا كبيرا للرؤية المصرية في احتواء الأزمات ودعم مسارات التسوية السلمية، مشيرا إلى أن المشاركة وفرت منصة لإجراء لقاءات ثنائية رفيعة المستوى لتعزيز التنسيق مع القوى الدولية الكبرى لمواجهة تحديات عالمية راهنة.

وتزامنا مع مرور 12 عاما على تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم تأتي هذه التحركات الدبلوماسية المتلاحقة لتؤكد محورية الدور المصري واستعادة القاهرة لريادتها الإقليمية والدولية عبر ما يوصف بالدبلوماسية الرئاسية النشطة خلال السنوات الماضية والتي ساهمت في وضع الدولة المصرية بمكانتها بين الأمم وحصولها على مقعد ثابت ضمن دوائر صنع القرار الدولي.