الدولة تضع صحة المواطن في قلب رؤية بناء الجمهورية الجديدة عبر نموذج قائم على الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض كركيزة أساسية لتقليل المضاعفات وتحسين جودة الحياة.

وخلال السنوات الماضية شهد القطاع الصحي المصري تحولًا شاملًا جعل الاستثمار في الصحة يتجاوز فكرة الإنفاق على العلاج ليصبح مشروعًا وطنيًا يستهدف بناء إنسان أكثر قدرة على المشاركة في التنمية.

وبعد ثورة 30 يونيو تغيرت ملامح الرعاية الصحية في مصر حيث لم تعد الخدمة الطبية حصرًا على المستشفيات الكبرى داخل المدن بل امتدت إلى القرى والنجوع والمناطق الحدودية من خلال مبادرات رئاسية وصلت إلى ملايين المواطنين.

وتبرز مبادرة 100 مليون صحة ضمن أبرز المشروعات الصحية الحديثة إذ ركزت على المسح الطبي الشامل والكشف المبكر عن الأمراض وساهمت في تكوين قاعدة بيانات صحية ضخمة دعمت التخطيط للخدمات وفق الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

وبحسب أحدث بيانات وزارة الصحة والسكان فقدمت المبادرات الرئاسية للصحة العامة أكثر من 212 مليون خدمة طبية استفاد منها أكثر من 94 مليون مواطن عبر 14 مبادرة استهدفت فئات عمرية مختلفة.

وشملت هذه المبادرات الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوي ودعم صحة المرأة المصرية والكشف المبكر عن الأورام السرطانية وصحة الأم والجنين إضافة إلى الكشف عن ضعف السمع لدى الأطفال حديثي الولادة ورعاية كبار السن والقضاء على فيروس سي وبرامج مواجهة السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم.

وتشير وزارة الصحة إلى أن المبادرات ساهمت في اكتشاف ملايين الحالات مبكرًا وتقليل المضاعفات ورفع معدلات الاستجابة للعلاج بما انعكس على تحسين جودة حياة المواطنين وخفض العبء الاقتصادي للأمراض المزمنة.

ومن الحملات التي حققت انتشارًا واسعًا حملة قلبك أمانة التي تنفذ بالتعاون مع شركة باير لصحة المستهلك بهدف تعزيز الوعي بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن أمراض القلب والأوعية الدموية.

واستمرت الحملة خلال عامها الرابع ووفرت أكثر من مليون و682 ألف خدمة طبية داخل 401 منشأة صحية في 21 محافظة تضمنت قياس ضغط الدم والسكر وإجراء رسم القلب وتقييم عوامل الخطورة المرتبطة بأمراض القلب بما يدعم التدخل المبكر قبل تطور المضاعفات.

كما تمثل مبادرة دعم صحة المرأة المصرية نموذجًا إقليميًا في الكشف المبكر بعد أن ساهمت في تغيير ثقافة التعامل مع سرطان الثدي والأمراض غير السارية لدى السيدات.

وقدمت المبادرة أكثر من 125 مليون خدمة طبية منذ إطلاقها شملت الفحص المبكر للأورام والتوعية الصحية والكشف عن الأمراض المزمنة وخدمات الصحة الإنجابية بما يرفع معدلات اكتشاف الحالات مبكرًا ويحسن فرص العلاج ويقلل الوفيات المرتبطة بالمرض.

وفي ملف القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي نفذت مصر حملة مسح طبي شملت أكثر من 60 مليون مواطن مع توفير العلاج بالمجان للمصابين.

ووفق ما ورد حصلت مصر على المستوى الذهبي من منظمة الصحة العالمية ضمن مسار القضاء على فيروس سي باعتباره تهديدًا للصحة العامة لتصبح التجربة المصرية نموذجًا عالميًا في إدارة حملات الصحة العامة واسعة النطاق.

وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن التجربة المصرية عكست أهمية الإرادة السياسية وتكامل قواعد البيانات وتوفير العلاج المجاني والوصول بالخدمات الصحية لجميع المواطنين مع الإشادة بالنموذج المصري في التعامل مع الأمراض المزمنة وبرامج الكشف المبكر.

ولم تقتصر عملية التطوير على المبادرات فقط بل شملت إعادة بناء البنية التحتية للقطاع الطبي عبر إنشاء وتطوير المستشفيات والوحدات الصحية ورفع كفاءة منظومة الإسعاف ودعم التحول الرقمي وتوطين صناعة الدواء والمستلزمات الطبية.

كما توسعت الدولة في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل باعتبارها المشروع الأكبر لتحقيق التغطية الصحية الشاملة وفق أعلى معايير الجودة وتعتمد المنظومة فصل جهات التمويل عن تقديم الخدمة والرقابة لرفع كفاءة المنظومة وتحقيق الاستدامة المالية وتحسين جودة الخدمات.

وبدأت المرحلة الأولى من المنظومة في محافظات بورسعيد والأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس وأسوان عبر تطوير المنشآت الصحية وتجهيزها وفق معايير الجودة والاعتماد.

وتستعد مصر للتوسع في المرحلة الثانية التي تستهدف محافظة المنيا كنقطة انطلاق بتكلفة نحو 115 مليار جنيه لتقديم خدمات صحية متكاملة لأكثر من 6 ملايين مواطن بما يساهم في تحقيق العدالة الصحية وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر المصرية.

وأكد الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان خلال اجتماعات المتابعة ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية للتشغيل التجريبي للمنظومة في المنيا مع ضمان جاهزية المنشآت الصحية ورفع كفاءة الكوادر البشرية وتطبيق أعلى معايير الجودة.

ومن جانبه أوضح الدكتور أحمد السبكي رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية أن الدولة نفذت استثمارات ضخمة بمحافظة المنيا استعدادًا لتطبيق التأمين الصحي الشامل شملت تطوير المستشفيات والوحدات الصحية وتجهيزها بأحدث الأجهزة الطبية ونظم المعلومات الصحية الرقمية.

<pوأضاف السبكي أن الهيئة تعمل على تطبيق نموذج متكامل للرعاية الصحية يعتمد على التحول الرقمي والملف الطبي الإلكتروني والحوكمة الطبية الحديثة مع تدريب الفرق الطبية والإدارية ورفع جاهزية المنشآت الصحية لضمان تقديم خدمات تضاهي النظم العالمية.

وشهد القطاع كذلك توسعًا في استخدام التكنولوجيا عبر ميكنة الخدمات الصحية وإنشاء قواعد بيانات موحدة وتطوير منظومة التسجيل الطبي الإلكتروني لتحسين جودة الخدمة وسرعة اتخاذ القرار الطبي وتوجيه الموارد وفق الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

وتؤكد المؤشرات المحلية والدولية أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد برامج مؤقتة بل تحول إلى استراتيجية وطنية متكاملة أعادت صياغة مفهوم الرعاية الصحية عبر الانتقال من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية والكشف المبكر والمتابعة المستمرة بما يمثل استثمارًا حقيقيًا في الإنسان المصري.

وتواصل مصر خططها لتطوير القطاع الصحي وتظل المبادرات الرئاسية ومنظومة التأمين الصحي الشامل علامات فارقة في مسيرة بناء الجمهورية الجديدة عبر دعم مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والتنمية وتحقيق مستقبل أكثر استدامة.