أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن تأهيل الأئمة والدعاة علميًّا ومنهجيًّا يعد ضرورة لمواجهة الفكر المتطرف وتصحيح المفاهيم وترسيخ المنهج الأزهري الوسطي.
جاء ذلك خلال محاضرة علمية ألقاها عن بُعد بعنوان آيات الصفات وضوابط فهمها عند أهل السنة والجماعة ضمن فعاليات دورة تفكيك الفكر المتطرف الدولية التي تنظمها أكاديمية الأزهر العالمية بالتعاون مع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بمشاركة خمسين إمامًا وداعيةً من دولة بنجلاديش.
وأوضح مفتي الجمهورية أن باب الصفات الإلهية من أدق أبواب العقيدة وأعظمها أثرًا وأن التأويل الصحيح يمثل ضرورة علمية ولغوية وشرعية لصيانة النصوص وحسن فهمها وحماية العقيدة الإسلامية.
وأشار إلى أن التعامل مع النصوص الشرعية ينبغي أن يقوم على منهج علمي راسخ يجمع بين دلالات الوحي وقواعد اللغة العربية ومقاصد الشريعة بما يحفظ النصوص من التحريف وسوء الفهم ويحول دون الانزلاق إلى الغلو أو التشبيه أو التعطيل.
واستعرض مفتي الجمهورية الأسس العلمية التي اعتمدها علماء أهل السنة والجماعة في فهم نصوص الصفات مبينًا أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأن الصحابة كانوا يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم فيبيّن المجمل ويفسر المبهم ويرد المتشابه إلى المحكم وهو المنهج الذي حفظ للأمة سلامة الاعتقاد ووحدة الفهم في العصور الأولى.
وأكد أن قضية التأويل حظيت بعناية كبيرة لدى علماء الإسلام لما لها من أثر مباشر في فهم النصوص الشرعية وصيانة العقيدة موضحًا أن التأويل في أصله اللغوي يدور حول معاني الرجوع والعاقبة والمصير ثم تطور استعماله في العلوم الشرعية ليعبر عن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يحتمله إذا قام الدليل الصحيح على ذلك.
وشدد مفتي الجمهورية على أن التأويل ليس بابًا مفتوحًا لكل أحد ولا وسيلة لصرف النصوص عن معانيها وإنما هو منهج علمي منضبط تقتضيه طبيعة اللغة العربية ويُلجأ إليه عند الحاجة لتنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق بجلاله ودفع ما قد يوهم التشبيه أو التجسيم وإزالة ما قد يلتبس من معاني بعض النصوص مع تحقيق التكامل بين صحيح العقل وصريح النقل بعيدًا عن الهوى والتعصب أو تحميل النصوص ما لا تحتمله.
ولفت إلى أن علماء الأمة وضعوا ضوابط دقيقة للتأويل تتضمن أن يحتمله اللفظ في لسان العرب وأن يستند إلى دليل معتبر وألا يخالف المحكمات أو إجماع الأمة مع الجمع بين النصوص في الباب الواحد ورد المتشابه إلى المحكم ومراعاة مقاصد الشريعة.
كما أكد أن التصدي لهذا الباب لا يكون إلا لمن جمع بين علوم القرآن الكريم والسنة النبوية وأصول الفقه والعقيدة وعلوم اللغة العربية وتمكن من أدوات الاستنباط والترجيح لأن الجهل بهذه العلوم يفضي إلى الانحراف في فهم النصوص ويحول التأويل من وسيلة لحماية العقيدة إلى باب للاضطراب الفكري.
واختتم مفتي الجمهورية حديثه بالتأكيد على أن منهج أهل السنة والجماعة يقوم على إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل امتثالًا لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير مضيفًا أن الانحراف في فهم نصوص الصفات كان سببًا رئيسيًا في ظهور كثير من الانحرافات الفكرية والعقدية عبر التاريخ.
وتحدثت المحاضرة عن تفاعل واسع من المشاركين الذين أشادوا بما تضمنته من تأصيل علمي رصين ومعالجة منهجية دقيقة مؤكدين استفادتهم من محاورها ومثمّنين جهود الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية في إعداد الدعاة ونشر الفكر الوسطي وتعزيز قيم الاعتدال والتعايش.

