أكد الدكتور محمد بركة، أستاذ أمراض التخاطب بكلية الطب جامعة عين شمس، أن إعلان صندوق تطوير التعليم التابع لرئاسة مجلس الوزراء عن إطلاق تقييم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD يمثل نقلة مهمة في الاكتشاف المبكر، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تدعم الأسرة والمعلمين بأداة علمية رقمية أكثر دقة وسهولة.

وقال بركة، في تصريح خاص لوكالة أنباء الشرق الأوسط اليوم الجمعة، إن المبادرات الصحية والتربوية التي تشهدها الدولة المصرية خلال الفترة الأخيرة نقلت المجتمع من مرحلة التدخلات المتأخرة إلى مرحلة الإلزامية والاكتشاف المبكر، وهو ما انعكس على جودة حياة الأطفال وأسرهم، وساهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسري والمجتمعي.

وأوضح أن التقييم الجديد يعتمد على الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتيح تحليلًا فوريًا للاستجابات مع تقديم نتائج دقيقة ومبسطة عبر رابط إلكتروني مرن ومتاح للجميع، بما يساعد على اتخاذ قرارات تربوية وسلوكية قائمة على أسس علمية موضوعية.

وأشار إلى أن هذا التطور جاء امتدادًا لمبادرات سابقة مثل مبادرة طيف التوحد وفحص السمع الإلزامي عند الولادة وتدوينه في شهادة الميلاد، إلى جانب فحص هرمون الغدة الدرقية وأمراض التمثيل الغذائي فور الولادة، وهي خطوات مهدت للتحول الرقمي الحالي في أدوات التشخيص المبكر.

وأضاف أن هذا النظام الإلزامي رفع وعي الأسر بشكل واضح، بعدما أصبح أولياء الأمور يلجأون إلى الأطباء قبل بلوغ الطفل عامه الأول إذا لاحظوا أي تأخر في الانتباه أو نمو اللغة. ولفت إلى أن أمراض التخاطب التطورية أو النمائية الشائعة، وعلى رأسها تأخر نمو اللغة، تصيب نحو 14% إلى 15% من الأطفال في السنوات الثلاث الأولى من العمر، ثم تنخفض النسبة إلى 4% إلى 6% فقط بعد العام الثالث.

وأكد بركة أن هناك علاقة طردية بين نقص العمر اللغوي وتراجع جودة حياة الطفل وأسرته، موضحًا أن التدخل المبكر يساهم في تحسين الانتباه والتركيز والمزاج والعواطف، كما يساعد على التأهيل اللغوي والأكاديمي للالتحاق بالمدارس الدامجة التي تتوسع الدولة في إنشائها.

وشدد على أهمية مراجعة التاريخ المرضي للطفل بدقة، موضحًا أن الصحة النفسية للأم الحامل ترتبط ببعض الاضطرابات النمائية لدى الطفل، إذ إن الضغط النفسي الشديد والتوتر المستمر أثناء الحمل يبدأ تأثيره في الجهاز العصبي المركزي ثم يمتد إلى الغدة النخامية والغدة فوق الكلوية، وقد يؤدي في النهاية إلى ضمور المادة البيضاء بمخ الجنين Demyelination.

وأوضح أن أطباء التخاطب يراجعون تفاصيل الحمل والولادة بالكامل، بما يشمل ما إذا كان الحمل كاملًا أو انتهى بولادة مبتسرة، وما إذا كان الطفل تعرض لنقص في الوزن أو نقص الأكسجين عند الولادة.

وقال إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحا عنصرين داعمين للطبيب في التشخيص والعلاج، لافتًا إلى أنه في حالات اضطرابات النوم وانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، والتي تصيب من 1% إلى 5% من الأطفال، يتم اللجوء إلى معمل النوم لقياس تشبع الدم بالأكسجين. وإذا انخفضت النسبة عن المعدلات الطبيعية التي تتراوح بين 98% و100% لتصل إلى 86% أو أقل، فإن ذلك يشير إلى خطر شديد على خلايا المخ.

وأضاف أن التشخيص الدقيق في هذه الحالات يعتمد أيضًا على الأشعة والمنظار الليفي البلعومي الحنجري لتحديد حجم تضخم اللحمية واللوزتين، مشيرًا إلى أن استئصال اللحمية يسهم في استعادة النوم الهادئ وتحسين وظائف المخ والحد من تشتت الانتباه.

وتطرق بركة إلى تقنية رسم المخ المعدل Neurofeedback، موضحًا أنها تتيح رصد النشاط الكهربائي لمناطق المخ وتصحيحه عبر مثيرات بصرية وسمعية. كما أشار إلى أن أبحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI أظهرت أن الأطفال الذين يفرطون في مشاهدة الشاشات والتلفاز ويعانون من العزلة الاجتماعية يظهر لديهم خمول واضح في مناطق اللغة بالمخ مقارنة بالأطفال الطبيعيين.

ولفت إلى أن العلاج الحديث المدمج بالذكاء الاصطناعي يعتمد على النهج متعدد الحواس Multi-Sensory Approach، من خلال تحفيز السمع والبصر واللمس في الوقت نفسه عبر شاشات تفاعلية، بما يسهل انتقال المعلومات إلى الجهاز العصبي ويمنح الطفل فرصة التعلم الذاتي والتكرار دون ملل.

ووجه الدكتور محمد بركة نصائح للأسر بضرورة متابعة تطور الطفل بصورة مستمرة، محذرًا من ثلاث علامات خطر تستوجب سرعة الفحص، وهي فقدان الانتباه المشترك، وفقدان اللعب التخيلي أو الرمزي، وفقدان القدرة على التخاطب بعد اكتسابها.

وأوضح أن مراحل التخاطب الطبيعي تبدأ منذ الولادة باستجابة الطفل للأصوات والمؤثرات المحيطة، ثم التواصل البصري مع الأم في الشهر الثالث، والابتسام لصوتها في الشهر الرابع وتتبع اتجاهه في الشهر السادس، ثم التفاعل مع الألعاب في الشهر الثامن، وظهور الكلمة الأولى الواعية والإشارة بالأصبع في عمر عام، وطلب مشاركة الأم في اللعب بعمر عام ونصف، حتى يكتمل الانتباه المشترك بصورة طبيعية عند بلوغ الطفل عامين.

واختتم بركة تصريحاته بالتنبيه إلى مخاطر زواج الأقارب، مشيرًا إلى أن نتائج الأبحاث أظهرت أن 56% من الأطفال المصابين بفرط الحركة وتشتت الانتباه وتأخر نمو اللغة هم من أبناء زواج الأقارب. وأوضح أن الصفات الوراثية المتنحية تحتاج إلى جين من الأب وآخر من الأم حتى تظهر على الطفل، وهو ما ترتفع احتمالاته مع زواج الأقارب، داعيًا إلى تعزيز الوعي المجتمعي بهذه المخاطر والاستمرار في تقديم الدعم النفسي والتربوي للأطفال بما يساعد على تحسين الذاكرة والانتباه ودافعيتهم للتخاطب ويضمن لهم مستقبلًا أكاديميًا واجتماعيًا أفضل.