لم تكن بطولة كأس العالم 2026 التي أرادها جياني إنفانتينو النسخة الأكبر والأكثر نجاحًا في تاريخ اللعبة، لتتحول إلى ساحة لأعنف الهجمات التي واجهها منذ توليه رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا عام 2016.
فبينما احتفى الاتحاد الدولي بتوسيع المونديال إلى 48 منتخبًا وتحقيق أرقام قياسية جماهيرية وتجارية، وجد رئيسه نفسه في قلب عاصفة سياسية وإعلامية بعد أزمة المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون، التي أعادت طرح أسئلة قديمة حول استقلالية القرار داخل المؤسسة وحدود النفوذ السياسي فيها.
ورغم موجة الانتقادات والبيانات الغاضبة ومطالبات الاستقالة، لا يبدو المشهد داخل فيفا مقلقًا لإنفانتينو بالقدر الذي تعكسه العناوين الأوروبية، إذ ما زال يمتلك شبكة تحالفات انتخابية واسعة تمنحه أفضلية واضحة في طريقه نحو ولاية رابعة.
أزمة بالوجون.. الشرارة الأولى
بدأت الأزمة عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه تواصل شخصيًا مع جياني إنفانتينو مطالبًا بمراجعة البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون خلال كأس العالم 2026.
وبعد ساعات، أعلن فيفا تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف والسماح للاعب بالمشاركة في مواجهة بلجيكا ضمن منافسات دور الـ16، مستندًا إلى المادة 27 من اللائحة التأديبية التي تمنح لجنة الانضباط صلاحية تعليق تنفيذ العقوبات في ظروف معينة.
ورغم تأكيد فيفا أن القرار صدر عن لجنة مستقلة لا تتلقى تعليمات من رئيس الاتحاد الدولي، فإن توقيته بعد إعلان ترامب تدخله مباشرة أثار موجة واسعة من الشكوك بشأن استقلالية المؤسسة.
أوروبا ترفع سقف الانتقاد
لم يتأخر الرد الأوروبي، إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أن ما حدث يمثل تجاوزًا للخط الأحمر المتعلق باستقلالية القرارات الرياضية، بينما انضم عدد من أبرز الشخصيات الكروية إلى دائرة الانتقادات.
وأعرب المدرب الألماني يورجن كلوب عن قلقه من الواقعة، مؤكدًا أن مثل هذه الأحداث تضع نزاهة المنافسات تحت المجهر، فيما تساءل الرئيس السابق لفيفا السويسري سيب بلاتر: إلى أين يتجه الاتحاد الدولي لكرة القدم؟
كما وصفت صحف أوروبية عديدة الواقعة بأنها أخطر تدخل سياسي في تاريخ بطولات كأس العالم، معتبرة أن السماح بتغيير قرار انضباطي بعد تدخل رئيس دولة يمثل سابقة قد تهدد مصداقية البطولات الدولية.
أزمة جديدة في سجل طويل من الجدل
أزمة بالوجون لم تكن الأولى في عهد إنفانتينو، فمنذ انتخابه رئيسًا لفيفا عام 2016 ارتبط اسمه بعدد من القرارات المثيرة للجدل، أبرزها زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخبًا وإطلاق النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية، إلى جانب ملفات تسويقية ومالية أثارت انقسامًا واسعًا داخل الوسط الكروي.
كما تعرض لانتقادات متكررة بسبب ارتفاع أسعار تذاكر البطولات الكبرى وطريقة اتخاذ بعض القرارات داخل مجلس فيفا، فضلًا عن اتهامات بتعزيز المركزية داخل المؤسسة الدولية.
ومع ذلك، لم تنجح أي أزمة سابقة في تهديد موقعه داخل الاتحاد الدولي.
لماذا لا تهز الأزمات كرسي إنفانتينو؟
الإجابة لا تتعلق فقط بحجم النفوذ السياسي، بل أيضًا بطريقة انتخاب رئيس فيفا، فالانتخابات لا تُحسم عبر وسائل الإعلام أو الاتحادات الأوروبية الكبرى، وإنما من خلال الجمعية العمومية التي تضم 211 اتحادًا وطنيًا يمتلك كل منها صوتًا واحدًا بغض النظر عن حجم الدولة أو تاريخها الكروي.
هذه المعادلة منحت إنفانتينو أفضلية واضحة خلال السنوات الماضية، فبينما تمتلك أوروبا 55 صوتًا فقط، تحظى أفريقيا بـ54 صوتًا وآسيا بـ47 وأمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي بـ41، إضافة إلى أمريكا الجنوبية وأوقيانوسيا.
وبفضل برامج الدعم المالي وزيادة مقاعد كأس العالم والمشروعات التطويرية التي استفادت منها الاتحادات الصغيرة، نجح رئيس فيفا في بناء قاعدة انتخابية واسعة خارج القارة الأوروبية، وهي القاعدة التي تمثل سر قوته الحقيقي.
أوروبا تملك الصوت الإعلامي لا الأغلبية
تكشف الأزمة الحالية حقيقة مهمة داخل منظومة فيفا، فالقارة الأوروبية لا تزال صاحبة الصوت الأعلى إعلاميًا، لكنها لا تمتلك الأغلبية الانتخابية.
ولهذا فإن الحملات الإعلامية مهما بلغت قوتها لا تتحول تلقائيًا إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
كما أن معارضي إنفانتينو يواجهون أزمة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في غياب مرشح قادر على توحيد الجبهة المعارضة.
ورغم تداول أسماء مثل الكندي فيكتور مونتالياني رئيس اتحاد الكونكاكاف، فإن المشهد لا يشير حتى الآن إلى وجود منافس حقيقي قادر على تهديد الرئيس الحالي.
أزمة كشفت ازدواجية المعايير
يرى منتقدو إنفانتينو أن أزمة بالوجون كشفت تناقضًا واضحًا في سياسات فيفا، فالهيئة الدولية لطالما شددت على رفض التدخلات الحكومية في شؤون كرة القدم وسبق أن فرضت عقوبات على عدد من الاتحادات الوطنية بسبب تدخل حكوماتها في إدارة اللعبة.
لكن في أزمة اللاعب الأمريكي بدا المشهد مختلفًا بعدما جاء القرار عقب إعلان رسمي من رئيس الولايات المتحدة عن تدخله شخصيًا.
وهذا ما منح خصوم إنفانتينو فرصة لاتهامه بازدواجية المعايير، معتبرين أن النفوذ السياسي أصبح قادرًا على التأثير في القرارات الانضباطية عندما يتعلق الأمر بقوى كبرى.
هل تقترب الولاية الرابعة؟
رغم كل ما سبق، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن مستقبل رئيس فيفا بات مهددًا، بل تبدو الأزمة رغم حساسيتها امتدادًا لسلسلة طويلة من العواصف التي واجهها ونجح في تجاوزها.
ومع غياب منافس قوي واستمرار شبكة التحالفات التي بناها داخل غالبية الاتحادات الوطنية، يظل إنفانتينو المرشح الأوفر حظًا للاحتفاظ برئاسة الاتحاد الدولي لولاية رابعة.

