أكد السفير محمد العرابي وزير الخارجية الأسبق أن ثورة 30 يونيو تمثل واحدة من أهم المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث، مشيرًا إلى أنها جسدت الإرادة الشعبية في حماية الهوية الوطنية والدولة المدنية وأنقذت البلاد من مسار كان يهدد استقرارها ووحدتها ومؤسساتها.

وقال العرابي في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط إن ما جرى في 30 يونيو لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا بل لحظة تاريخية استعاد فيها الشعب المصري زمام المبادرة لحماية الدولة الوطنية من مخاطر الانقسام والاستقطاب، لافتًا إلى أن مصر كانت تواجه تحديات غير مسبوقة على المستويين السياسي والاقتصادي مع تخوف حقيقي من الانزلاق إلى أوضاع مشابهة لما شهدته بعض دول المنطقة من فوضى وصراعات داخلية.

وأضاف أن أهمية ثورة 30 يونيو لا تقف عند حدود استعادة الاستقرار الداخلي، بل امتدت آثارها إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء دورها الإقليمي والدولي، موضحًا أن السنوات التي تلت الثورة شهدت عملية شاملة لإعادة تثبيت أركان الدولة المصرية وتقوية قدراتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأوضح وزير الخارجية الأسبق أن السياسة الخارجية المصرية دخلت بعد الثورة مرحلة جديدة اتسمت بالحركة النشطة والتوازن والقدرة على التعامل مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بما ساعد مصر على استعادة مكانتها كركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط والعالم العربي وإفريقيا.

وأشار العرابي إلى أن الدبلوماسية المصرية تمكنت خلال السنوات الماضية من إدارة ملفات شديدة التعقيد والحساسية مستفيدة من الثقل التاريخي لمصر ومصداقيتها السياسية وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية والإقليمية، وهو ما جعل القاهرة طرفًا رئيسيًا في جهود تسوية أزمات متعددة، مؤكدًا أنه كلما ازدادت قوة الدولة وتماسك مؤسساتها تعززت قدرتها على التأثير الإيجابي في محيطها والتعامل مع الأزمات المعقدة في المنطقة.

ولفت إلى أن السنوات الماضية أثبتت أن مصر أصبحت طرفًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه في أي جهود تستهدف تسوية النزاعات أو احتواء التوترات الإقليمية، خصوصًا الأزمات في السودان وليبيا، فضلًا عن القضية الفلسطينية التي تأتي ضمن أولويات الدولة المصرية وفق نهج متوازن يقوم على احترام سيادة الدول والحفاظ على وحدة أراضيها ودعم الحلول السياسية للأزمات.

وبشأن الأزمة السودانية أكد العرابي أن مصر تنطلق من رؤية واضحة للحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية ومنع انهيار الدولة، مشيرًا إلى أن القاهرة بذلت جهودًا سياسية ودبلوماسية مكثفة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة ودعمت المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار والحفاظ على مقدرات الشعب السوداني انطلاقًا من إدراك الترابط الاستراتيجي بين البلدين.

وحول الملف الليبي قال إن الموقف المصري اتسم منذ البداية بالثبات والوضوح، حيث ركز على دعم وحدة الأراضي الليبية والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انتشار الإرهاب والتنظيمات المسلحة، موضحًا أن التحركات المصرية ساهمت في دعم مسار الحل السياسي والحفاظ على التوازنات التي حالت دون انزلاق ليبيا لمزيد من الفوضى والانقسام.

وفيما يخص القضية الفلسطينية شدد العرابي على أن مصر لا تزال تمثل الطرف الأكثر تأثيرًا وحضورًا في جهود التهدئة ووقف التصعيد بسبب علاقاتها واتصالاتها وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، مؤكدًا أن القاهرة لعبت دورًا محوريًا في التوصل إلى اتفاقات التهدئة وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مع استمرار الجهود السياسية والدبلوماسية للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار وإحياء مسار التسوية السياسية على أساس حل الدولتين.

وأضاف أن الدور المصري يعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية التي لم تتغير عبر العقود وفي مقدمتها دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض أي محاولات لتصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

وذكر العرابي أن تعقيد الأزمات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط يجعل الدور المصري أكثر أهمية من أي وقت مضى، مشيرًا إلى أن القاهرة أصبحت مركزًا رئيسيًا للمشاورات السياسية والجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوترات ومنع اتساع رقعة الصراعات الإقليمية.

وقال إن نجاح مصر في أداء هذا الدور يرتبط بما تحقق بعد ثورة 30 يونيو من استقرار سياسي وتعزيز لقدرات الدولة ومؤسساتها بما منح صانع القرار المصري مساحة أكبر للتحرك الفعال إقليميًا ودوليًا، مؤكدًا أن الثورة لم تكن فقط نقطة تحول في مسار الدولة المصرية بل بداية مرحلة استعادت خلالها مصر دورها ومكانتها وتأثيرها في محيطها العربي والإفريقي والدولي لتظل دولة محورية تسعى إلى نشر الاستقرار ودعم الحلول السياسية والحفاظ على أمن المنطقة ومصالح شعوبها.