تحتفل مصر والقوات المسلحة في 30 يونيو من كل عام بعيد قوات الدفاع الجوي، حيث استعرض الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي تاريخ السلاح ودوره في حماية سماء مصر، إلى جانب رؤيته لمواجهة التحديات العسكرية الحديثة وجهود تطوير العنصر البشري والبحث العلمي والتصنيع العسكري.

وقال قائد قوات الدفاع الجوي إن جذور السلاح تعود إلى عام 1937، مع تشكيل وحدات المدفعية متوسطة المدى والأنوار الكاشفة التي شاركت في الحرب العالمية الثانية وحربي 1948 و1956 وتولت مهمة الدفاع الجوي عن المدن الرئيسية.

وأضاف أن أول إنجاز بارز تحقق في يونيو عام 1941 بمدينة الإسكندرية عندما نجحت القوات في صد هجوم جوي مكثف شنته دول المحور باستخدام نحو 100 طائرة، في شهادة عملية على كفاءة هذا السلاح.

وأشار إلى أن العدوان الثلاثي عام 1956 كشف الحاجة الملحة إلى امتلاك أنظمة صاروخية حديثة، في ظل محدودية قدرات المدفعية المضادة للطائرات مقارنة بتطور الطيران الحربي آنذاك، وهو ما دفع مصر إلى التعاقد على منظومات الصواريخ السوفيتية سام-2 التي بدأت في الوصول عام 1961 وشاركت لاحقا في حرب يونيو 1967.

وأكد أن أبرز دروس حرب يونيو تمثلت في ضرورة إنشاء قوات الدفاع الجوي كفرع رئيسي مستقل داخل القوات المسلحة، وهو ما تحقق بصدور القرار الجمهوري رقم 199 في 14 فبراير 1968 معلنا ميلاد قوات الدفاع الجوي باعتبارها القوة الرابعة في القوات المسلحة المصرية.

الفريق ياسر الطودي – قائد قوات الدفاع الجوي

واستعرض الفريق ياسر الطودي دور قوات الدفاع الجوي خلال حرب الاستنزاف، مؤكدا أن القوات استفادت من دروس 1967 وبدأت مرحلة إعادة البناء والتسليح والتنظيم والتدريب القتالي بالتزامن مع تنفيذ مشروع إنشاء حائط الصواريخ الذي مثل شبكة دفاعية متكاملة من الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات داخل مواقع محصنة لحماية التجمعات الرئيسية للقوات المسلحة والأهداف الحيوية وتمتد مظلته حتى شرق قناة السويس.

وأوضح أن إنشاء تلك المواقع جرى في ظروف شديدة الصعوبة وسط استهداف مستمر من الطيران الإسرائيلي، مشيرا إلى تضحيات رجال الدفاع الجوي والمهندسين العسكريين والمدنيين لإنجاز المشروع، كما ذكر أنه اعتبارا من 16 أبريل 1970 بدأت قوات الدفاع الجوي تنفيذ كمائن الصواريخ بمنطقة القناة ونجحت في إلحاق خسائر مؤثرة بالطيران المعادي ومهدت الطريق لاستكمال بناء حائط الصواريخ.

وبحسب قائد قوات الدفاع الجوي فإن اكتمال نشر كتائب الصواريخ أسفر عن إسقاط أحدث الطائرات الإسرائيلية من طرازي فانتوم وسكاي هوك وأسر عدد من طياريها، وهو ما عرف لاحقا بأسبوع تساقط الفانتوم لتتخذ قوات الدفاع الجوي يوم 30 يونيو عيدًا لها.

كما ذكر أن القوات نجحت خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس 1970 في حرمان الطيران الإسرائيلي من الاقتراب من قناة السويس أو اختراق العمق المصري بما أسهم في قبول إسرائيل بمبادرة روجرز لوقف إطلاق النار اعتبارا من 8 أغسطس 1970.

وأشار أيضا إلى مواصلة نجاحات القوات خلال فترة وقف إطلاق النار، حيث تمكنت في 17 سبتمبر 1971 من إسقاط طائرة الاستطلاع الإلكتروني إستراتوكروزار عبر تنفيذ كمين صاروخي ناجح حرم العدو من استطلاع القوات المصرية المنتشرة على طول الجبهة.

وفي حديثه عن حرب أكتوبر أكد الفريق ياسر الطودي أن قوات الدفاع الجوي أدت دورا محوريا لتحقيق النصر مستفيدة من الخبرات المكتسبة خلال حرب الاستنزاف ومن انضمام منظومات دفاع جوي حديثة قادرة على مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.

وقال إن بدء العمليات في السادس من أكتوبر شهد رفع درجات الاستعداد القتالي واحتلال مراكز القيادة وتأمين الضربة الجوية المصرية الأولى قبل أن تتولى قوات الدفاع الجوي تأمين موجات العبور، مضيفا أن محطات الرادار رصدت الطائرات الإسرائيلية في الدقائق الأولى للمعركة لتتعامل معها وسائل الدفاع الجوي بكفاءة وتنجح في إسقاط أكثر من 25 طائرة معادية خلال الساعات الأولى إلى جانب إصابة طائرات أخرى وأسر عدد من الطيارين.

وأضاف أن قيادة سلاح الجو الإسرائيلي أصدرت أوامر بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة تقل عن 15 كيلومترا، مؤكدا استمرار توفير المظلة الصاروخية للقوات البرية أثناء تقدمها شرقا والتصدي للهجمات الجوية على الأهداف الحيوية في الدلتا والبحر الأحمر وتحقيق نجاح لافت أمام كثافة الغارات على مدينة بورسعيد يومي 8 و11 أكتوبر رغم كثافة الغارات الجوية.

وتابع قائد قوات الدفاع الجوي أن خسائر سلاح الجو الإسرائيلي خلال الأيام الأولى للحرب بلغت نحو ثلث طائراته وأفضل طياريه، فيما تمكنت قوات الدفاع الجوي طوال الحرب من إسقاط 326 طائرة معادية وأسر 22 طيارًا بما أسهم في تحقيق النصر العسكري وفرض خيار التفاوض الذي انتهى باستعادة سيناء.

وعن طبيعة الحروب الحديثة قال الفريق ياسر الطودي إن التطور التكنولوجي أحدث تحولا جذريا في مفهوم الصراعات العسكرية مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في العمليات النفسية وتحليل البيانات وتوجيه الأسلحة والطائرات المسيّرة ودعم اتخاذ القرار والهجمات السيبرانية وإدارة المنظومات اللوجستية إضافة إلى تطوير أنظمة الدفاع الجوي بما أدى إلى انتقال الحروب من نمطها التقليدي إلى الحروب الذكية وتعقيد معادلات الردع بين الدول.

وأوضح قائد قوات الدفاع الجوي أن أبرز التهديدات الجوية الراهنة تتمثل في الأسلحة بعيدة المدى والصواريخ الباليستية والفرط صوتية التي أصبحت تتمتع بقدرات عالية على المناورة وتغيير المسار واستخدام الرؤوس الحربية المتعددة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن الانتشار الواسع للطائرات المسيرة القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بصورة مستقلة أو ضمن أسراب وتصاعد مخاطر الحروب السيبرانية.

وأضاف أن مواجهة هذه التحديات تتطلب امتلاك منظومات رادار متطورة مدعومة بشبكات استشعار فضائية وتطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات بسرعة الحركة والاستجابة وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي إضافة إلى الاعتماد على أسلحة الطاقة الموجهة والليزر ووسائل الإعاقة الإلكترونية وتطوير التعاون بين أفرع القوات المسلحة وتعزيز إجراءات الأمن السيبراني وكذا تطوير وسائل خداع الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

وأكد الفريق ياسر الطودي أن العنصر البشري يظل الركيزة الأساسية للمنظومة القتالية، مشيرا إلى تنفيذ برنامج متكامل لإعداد الفرد المقاتل يقوم على غرس قيم الانتماء والولاء وتعزيز الوعي الفكري والديني والاهتمام بالجوانب النفسية والمعرفية وتطوير العملية التعليمية والتدريبية بكلية الدفاع الجوي ومعهد الدفاع الجوي وتأهيل الضباط داخل مصر وخارجها وتنفيذ تدريبات تخصصية ورمايات عملية ومناورات مشتركة مع الدول الشقيقة والصديقة.

وفي إطار تحديث القدرات قال إن مركز البحوث الفنية والتطوير للدفاع الجوي يقود منظومة تحديث الأسلحة والمعدات عبر توطين التكنولوجيا وإطالة العمر الفني للمنظومات الحالية والتوسع في التصنيع العسكري المشترك بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع واتحاد الصناعات المصرية بهدف زيادة نسب التصنيع المحلي تدريجيا.

وكشف قائد قوات الدفاع الجوي عن نجاح القوات بالفعل في تصنيع عدد من الأنظمة والمعدات محليا ومنها الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة وأنظمة التعارف المؤمنة والطائرات الهدفية ومنظومات مواجهة الطائرات المسيرة.

واختتم الفريق ياسر الطودي حديثه برسالة طمأنة للشعب المصري مؤكدا أن رجال قوات الدفاع الجوي يقفون على مدار الساعة بأعلى درجات الاستعداد القتالي مسلحين بالعلم والإيمان وبأحدث منظومات التسليح وقادرين على التصدي بكل حسم لأي تهديد يستهدف أمن مصر وسماءها.