أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن موجات الحر القياسية التي تضرب أوروبا خلال صيف 2026 تعكس تحولًا أوسع في قواعد الاقتصاد والتجارة الدولية، بعدما أصبح تغير المناخ عاملًا مؤثرًا في الزراعة والصناعة وسلاسل الإمداد العالمية.

وأوضح فهيم أن درجات الحرارة تجاوزت 40 درجة مئوية في عدد من الدول الأوروبية نتيجة ظاهرة القبة الحرارية المصحوبة بما يعرف بحاجز أوميجا، وهو نمط جوي يحبس الكتل الهوائية الساخنة لفترات طويلة ويمنع دخول الهواء البارد.

أوروبا تواجه ضغطًا مباشرًا على الزراعة

وأشار رئيس مركز معلومات تغير المناخ إلى أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة عالميًا، وهو ما ينعكس مباشرة على القطاع الزراعي، مع تراجع كفاءة التمثيل الضوئي للمحاصيل، وزيادة معدلات البخر والاحتياجات المائية، وانخفاض كفاءة التلقيح والإخصاب، خاصة في محاصيل الحبوب والخضر والفاكهة.

وأضاف أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة خلال المراحل الحرجة لنمو النباتات قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 5 و10%، بينما قد تتضاعف الخسائر في بعض المحاصيل عندما تتزامن موجات الحر مع الجفاف ونقص الرطوبة، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويزيد الضغوط على الأمن الغذائي الأوروبي.

الكربون يدخل معادلة التجارة

وأوضح فهيم أن أوروبا لم تكتف بمواجهة تداعيات التغيرات المناخية، بل بدأت أيضًا تطبيق آلية تعديل حدود الكربون، التي تربط دخول المنتجات إلى الأسواق الأوروبية بحجم الانبعاثات الكربونية الناتجة عن إنتاجها.

وأكد أن الرسالة الأوروبية أصبحت واضحة، وهي أن جودة المنتج وسعره لم يعودا وحدهما معيار المنافسة، بل أصبحت البصمة الكربونية عنصرًا أساسيًا في قبول السلع داخل الأسواق الأوروبية، وهو ما يجعل الكربون جزءًا من تكلفة الإنتاج مثل الطاقة والنقل والعمالة.

فرصة أمام الصادرات المصرية

وشدد رئيس مركز معلومات تغير المناخ على أن هذه المتغيرات تفتح أمام مصر فرصة واعدة لتعزيز صادراتها الزراعية، في ظل قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية، وتنوع مواسم الإنتاج، والتوسع في نظم الزراعة الحديثة والصوب الزراعية.

وأشار إلى أن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب الإسراع في بناء منظومة وطنية متكاملة لقياس الانبعاثات الكربونية وإصدار شهادات البصمة الكربونية للمنتجات، إلى جانب التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتطبيق ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا، وإنشاء سوق كربون وطني يتوافق مع المعايير الدولية، مع دمج ملف الكربون ضمن استراتيجية التصدير المصرية.

المنافسة لم تعد بالسعر فقط

وأكد فهيم أن مستقبل التجارة الزراعية لن يعتمد على زيادة الإنتاج أو انخفاض الأسعار فقط، وإنما على قدرة الدول على تقديم منتجات عالية الجودة منخفضة الانبعاثات وقابلة للتتبع، موضحًا أن مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها لتصبح شريكًا استراتيجيًا لأوروبا في تأمين احتياجاتها الغذائية إذا أحسنت الاستعداد لهذا التحول العالمي.

وأضاف أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة أصبحت فيها درجات الحرارة تحدد حجم الإنتاج، بينما تحدد الانبعاثات الكربونية فرص النفاذ إلى الأسواق، وهو ما يفرض على جميع الدول إعادة صياغة استراتيجياتها الزراعية والتجارية بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الأخضر.

الاستثمار في العلماء هو الطريق للمستقبل

واختتم رئيس مركز معلومات تغير المناخ تصريحاته بالتأكيد على أن تحويل التحديات المناخية إلى فرص اقتصادية يتطلب الاستثمار في البحث العلمي وتمكين الخبراء المصريين من المشاركة في التخطيط وصنع القرار، مؤكدًا أن الدول القادرة على قيادة المرحلة المقبلة لن تكون فقط الأكثر امتلاكًا للموارد، وإنما الأكثر توظيفًا للعلم والابتكار في مواجهة تغيرات المناخ وتحقيق التنمية المستدامة.