تتصاعد في أوروبا المخاوف من أن التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي بات يتجاوز قدرة الأطر التنظيمية على مواكبته، مع تحذيرات متزايدة من تأثير ذلك على الاستقرار المالي والقدرة التنافسية للقارة.
وبينما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم محركات رفع الإنتاجية ودعم النمو الاقتصادي، يرى المنظمون والبنوك المركزية أن مخاطره تتحرك بوتيرة أسرع من القواعد والضوابط الموضوعة له، ما يضع صناع السياسات أمام تحديات متزايدة.
ونقلت شبكة CNBC عن مسؤولين في البنوك المركزية والجهات الرقابية الأوروبية قولهم إن دورة إعداد التشريعات لم تعد قادرة على مجاراة سرعة الابتكار، خاصة مع ظهور تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI، التي تفتح فرصا اقتصادية واسعة لكنها تثير أيضا مخاوف بشأن سلامة الأسواق والنظام المالي.
وفي الوقت نفسه، تتسع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ يرى المستثمرون أن اعتماد أوروبا على التمويل المصرفي يحد من تدفق الاستثمارات إلى هذا القطاع، مقارنة بالولايات المتحدة التي تستفيد من أسواق رأس المال في تمويل الشركات التكنولوجية الكبرى، وهو ما قد يضغط على القدرة التنافسية الأوروبية في أحد أهم القطاعات الاستراتيجية.
وأشارت الشبكة الأمريكية إلى أن التنظيم المالي في أوروبا يواجه صعوبة في مواكبة هذا التطور السريع، وفقا لصناع السياسات الأوروبيين، الذين يحاولون الموازنة بين دعم تبني التكنولوجيا واحتواء المخاطر التي تهدد سلامة السوق واستقراره.
وأقر نيخيل راثي، الرئيس التنفيذي لهيئة السلوك المالي البريطانية، بأن الأدوات الرقابية التقليدية لم تعد كافية لمتابعة التطورات المتلاحقة، مؤكدا أن وتيرة الابتكار في الذكاء الاصطناعي تفرض على الجهات التنظيمية إعادة النظر في أساليب وضع القواعد وآليات الإشراف.
كما أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لتعزيز الإنتاجية ودعم النمو الاقتصادي، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أنه يحمل مخاطر قد تكون أشد تعقيدا من تهديدات الأمن السيبراني التقليدية.
وأضافت لاجارد أن سرعة تطور هذه التقنيات تفوق قدرة أدوات الحماية الحالية على احتواء مخاطرها.
وحذرت سارة بريدين، نائبة محافظ بنك إنجلترا، من أن التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الوكيل داخل الأسواق المالية قد يزيد من حدة التقلبات خلال فترات الأزمات، داعية إلى تطوير آليات رقابية أكثر صرامة تشمل أنظمة إيقاف تلقائي للتداول للحد من مخاطر أي أخطاء قد ترتكبها نماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي موازاة المخاوف التنظيمية، تتزايد أيضا المخاوف الاستثمارية، إذ يرى مسؤولون أوروبيون أن القارة مطالبة بتسريع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي وتعزيز قدراتها الذاتية والحفاظ على سيادتها التكنولوجية، دون التفريط في متطلبات الاستقرار المالي.

