افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية للدولة في العاصمة الجديدة، بالتزامن مع الذكرى السنوية لثورة الثلاثين من يونيو، وأعلن خلال كلمته الانتقال من مرحلة تثبيت استقرار الدولة إلى مرحلة الانطلاق نحو النمو المستدام.

وجاءت كلمة الرئيس لتتضمن حزمة من التوجيهات للحكومة، إلى جانب رسائل مرتبطة بالأمن القومي، والتنمية، والإصلاح المؤسسي، والسياسة الخارجية، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متلاحقة.

مقر جديد للقيادة والسيطرة

وأوضح الخطاب أن اختيار العاصمة الجديدة لاستضافة هذا الصرح يعكس تحولًا في منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات على المستوى القومي، باعتباره مركزًا يعتمد على بنية تكنولوجية متقدمة وأنظمة اتصالات مؤمنة وقدرات كبيرة في جمع البيانات وتحليلها.

وبحسب ما ورد في الكلمة، فإن هذه المنظومة لا تقتصر على إدارة المواقف العسكرية والأمنية، بل تمتد أيضًا إلى التعامل مع الأزمات القومية والظروف الاستثنائية وفق رؤية شاملة لحماية الأمن القومي واستقرار الدولة.

30 يونيو والأمن القومي

وربط الرئيس افتتاح المقر بذكرى ثورة 30 يونيو، مؤكدًا أنها كانت لحظة استرد فيها الشعب المصري هويته وحمى دولته من الفوضى والإقصاء والتطرف.

وشدد على أن حماية الأوطان مسؤولية مقدسة لا تقبل التهاون، وأن الردع وحماية الحدود وصون المقدرات خطوط حمراء تحميها إرادة الشعب وقدرة القوات المسلحة، مع التمسك بالسلام كخيار استراتيجي.

كما أشاد بدور الشعب المصري والقوات المسلحة والشرطة المدنية في مواجهة الإرهاب، مؤكدًا أن الدولة خاضت معركة التنمية بالتوازي مع معركة مكافحة الإرهاب.

خسائر الأزمات وتداعياتها

وتناول الخطاب حجم الأزمات التي مرت بها المنطقة والعالم خلال السنوات الماضية، بدءًا من تداعيات أحداث الأعوام بين 2011 و2014، مرورًا بحرب الإرهاب وجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وصولًا إلى المواجهات الجارية في إيران.

وأشار إلى أن مصر تحملت خسائر اقتصادية مباشرة، من بينها فقدان أكثر من 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس نتيجة الاعتداءات المستمرة على السفن الملاحية في منطقة باب المندب، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا واضطراب سلاسل الإمداد واستقبال ملايين النازحين الذين وجدوا في مصر ملاذًا آمنًا.

رسائل خارجية واتفاقات إقليمية

وفي الشأن الإقليمي والدولي، أعرب الرئيس السيسي عن تقديره لجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أسفرت بالتنسيق مع مصر عن التوصل لاتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب في غزة، ثم الاتفاق اللاحق لوقف الحرب مع إيران.

وأكد أهمية دعم هذه الاتفاقات وتنفيذها بالكامل، مشددًا على أن الحل الجذري لنزاعات الشرق الأوسط يكمن في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفق مقررات الشرعية الدولية.

محطة الضبعة النووية

وأعلن الرئيس السيسي عن حدث مرتقب يتمثل في تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية في محطة الضبعة النووية خلال أيام معدودة.

وأوضح أن المشروع يمثل شراكة استراتيجية تنموية بين مصر وروسيا، موجّهًا الشكر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبلاده على هذا التعاون.

وأضاف أن محطة الضبعة ستسهم في دعم التنمية المستدامة عبر توفير الطاقة النظيفة والآمنة للاستخدامات المنزلية والمشروعات الاستثمارية والصناعية الكبرى.

تكليفات للحكومة

وفي الداخل، وجّه الرئيس السيسي حكومة الدكتور مصطفى مدبولي بعدد من التكليفات التي تستهدف تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين وتطوير البنية السياسية والاقتصادية والخدمية للدولة.

وشملت التكليفات فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يتسع للرأي والرأي الآخر، مع توجيه وزير الدولة للإعلام بالتنسيق مع الجهات المعنية لعقد اجتماع سنوي تحت رعاية رئيس الجمهورية في الثالث من ديسمبر من كل عام لمراجعة أوضاع الإعلام وتحدياته وفرص تطويره.

كما دعا إلى تنشيط الحياة الحزبية والسياسية وتأهيل الكوادر الشبابية والسياسية، والانتهاء سريعًا من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية بما يعزز المشاركة الشعبية ويطور منظومة الإدارة المحلية.

وفي الملف المعيشي، كلف جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين لإعداد برنامج وطني شامل يهدف إلى خفض الأعباء المعيشية عبر التوسع في المنافذ والأسواق الدائمة وضبط سلاسل الإمداد بما يضمن استقرار أسعار السلع الأساسية.

كما أعلن عن صياغة برنامج اقتصادي وطني شامل يبدأ فور انتهاء البرنامج الحالي للإصلاح الاقتصادي المرتبط بصندوق النقد الدولي، على أن يكون برنامجًا مصريًا خالصًا بنسبة 100 % يستهدف الانتقال بالاقتصاد من مرحلة التثبيت المالي والاستقرار إلى مرحلة الانطلاق والنمو المستدام.

وشملت التوجيهات أيضًا الإسراع في تنفيذ المراحل التالية لبرنامج تخارج مؤسسات الدولة من الأنشطة الاقتصادية لصالح القطاع الخاص، مع الالتزام بالشفافية وتكافؤ الفرص والمنافسة العادلة.

وتضمنت التكليفات كذلك مواجهة الفساد بكل صوره وتعزيز الحوكمة والتوسع في التحول الرقمي لحماية المال العام، إلى جانب مواصلة تطوير التعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل، وإعادة هيكلة جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة لدعم النشاطات الإنتاجية وتسهيل إجراءات الشباب وتراخيصهم.

رسالة ختامية

واختتم الرئيس السيسي رسالته بالتأكيد على أن تحسين المعيشة وتخفيف المعاناة هو الشاغل الأول للدولة، وأن العبور نحو المستقبل يتطلب استمرار العمل الجاد والتكاتف والوعي وفتح قنوات اتصال مباشرة وصادقة بين المسؤولين والمواطنين.

وأكد أن الجمهورية الجديدة لا تُبنى بالشعارات، بل بالصروح الاستراتيجية المؤمنة والخطط الاقتصادية والسياسية المدروسة التي تضع كرامة الوطن والمواطن ومكانة مصر التاريخية فوق كل اعتبار.