أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عددًا جديدًا من سلسلة تقارير معلوماتية بعنوان سوق العمل في عصر الثورة الصناعية الرابعة والخامس، وكشف فيه أن 82.3% من إجمالي المشتغلين في مصر يعملون في القطاع الخاص، بما يعكس التحول العميق الذي شهده سوق العمل المصري خلال العقود الماضية.
وأوضح التقرير أن سوق العمل العالمي مر بتغيرات واسعة خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من تداعيات جائحة كوفيد-19 التي دفعت كثيرًا من الشركات إلى تبني العمل الهجين، وصولًا إلى الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، والتي يُتوقع أن تعيد تشكيل طبيعة العمل والمهارات المطلوبة خلال المرحلة المقبلة.
وعرض التقرير توقعات منظمة العمل الدولية في تقريرها التوظيف والاتجاهات الاجتماعية 2026 الصادر في يناير 2026، مشيرًا إلى أن ارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي يمثل خطرًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي، مع ما يترتب على ذلك من تراجع ثقة الشركات والمستهلكين، وانخفاض فرص العمل، وإبطاء نمو التوظيف، وزيادة البطالة، إلى جانب الحد من نمو الأجور والاستهلاك المحلي.
وبحسب التقرير، يتجه معدل المشاركة في القوى العاملة عالميًا إلى الانخفاض طويل الأمد، إذ من المتوقع أن يتراجع من 60.8% في 2025 إلى نحو 60.7% في 2026 ثم إلى 60.5% في 2027. كما يُتوقع أن يبلغ حجم القوى العاملة عالميًا 3.82 مليارات شخص في 2026، مقابل 3.78 مليارات في 2025، مع استقرار أو انكماش محتمل في الدول ذات الدخل المرتفع بسبب ارتفاع نسبة كبار السن المتقاعدين.
وأشار أيضًا إلى أن معدل البطالة العالمي بلغ نحو 4.9% في 2025، ومن المتوقع أن يستقر عند المستوى نفسه في 2026 قبل أن ينخفض إلى 4.8% في 2027. أما الشريحة العليا من الدول متوسطة الدخل، فهي الأعلى من حيث البطالة عند 5.5% في 2025، مع توقع استقرارها عند 5.4% خلال عامي 2026 و2027.
وفيما يخص الفجوة العالمية في الوظائف، رجح التقرير اتساعها إلى نحو 408 ملايين شخص في 2026، مقارنة بنحو 403 ملايين في 2025، وتشمل هذه الفجوة إلى جانب العاطلين عن العمل ما يقرب من 222 مليون شخص في سن العمل لديهم استعداد للانخراط في وظائف لكنهم لا يُصنفون رسميًا كعاطلين.
وعن مصر، أوضح مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن سوق العمل المصري شهد خلال العقود الثلاثة الماضية تحولات هيكلية عميقة تأثرت بالإصلاحات الاقتصادية والتحولات الديموغرافية والانفتاح التجاري والتقدم التكنولوجي. وبلغت نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية 79.4% خلال عام 2024/ 2025، ليظل المحرك الرئيس لنمو الوظائف.
وأضاف التقرير أن سوق العمل المصري انتقل من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التوظيف الحكومي وقطاع الأعمال العام إلى نموذج أكثر تنوعًا يقوده القطاع الخاص والعمل الحر، موضحًا أن العاملين في القطاع الخاص بلغوا نحو 24.6 مليون مشتغل من إجمالي 29.9 مليون مشتغل في عام 2024، بما يمثل نحو 82.3% من إجمالي المشتغلين.
كما أشار إلى أن نحو 45% من العاملين في القطاع الخاص يتركزون في العمل المستقل خارج المنشآت، مقارنة بنحو 16.2% فقط، أي ما يعادل 2.4 مليون مشتغل خارج المنشآت من إجمالي المشتغلين في عام 1990، حين بلغ عدد المشتغلين آنذاك 14.8 مليون مشتغل.
وفي جانب التعليم، لفت التقرير إلى تغير واضح في الحالة التعليمية للمشتغلين بمصر، إذ كانت نسبة الأميين هي الأكبر بين العمالة عام 1990 عند 47.3%، قبل أن تتراجع إلى نحو 15% من إجمالي المشتغلين في عام 2024. وفي المقابل ارتفعت نسبة الحاصلين على مؤهلات عليا وما فوقها إلى أكثر من 20% من إجمالي المشتغلين في عام 2024 مقابل 9.5% فقط في عام 1990.
وأوضح أن أصحاب المؤهلات الفنية كانوا النسبة الأكبر من إجمالي المشتغلين في عام 2024، وهو ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في المستوى التعليمي داخل سوق العمل المصري وارتباط التشغيل بصورة أكبر بالمهارات التقنية والتكنولوجية.
كما كشف التقرير عن تحول واضح في هيكل المهن بين عامي 1990 و2024، إذ كانت المهن الزراعية ووظائف الإنتاج والتشغيل الأكثر توظيفًا في عام 1990، بينما تصدرت المهن الحرفية والخدمية القائمة في عام 2024، وتشمل التعليم والصحة والنقل والتجارة والخدمات المالية والسياحة والتكنولوجيا وغيرها.
وفي توزيع العمالة حسب الأنشطة الاقتصادية، أوضح التقرير أنه في عام 1990 كان النشاط الزراعي يستوعب نحو 6 ملايين مشتغل بما يمثل 40.5% من إجمالي المشتغلين البالغ عددهم نحو 14.8 مليون مشتغل، بينما جاء قطاع الخدمات ثانيًا بإجمالي 3.2 ملايين مشتغل بنسبة 21.6%.
وبحلول عام 2024 أصبح توزيع العمالة أكثر تنوعًا بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، إذ تراجعت حصة العاملين في قطاع الزراعة إلى 18.7% بعدد بلغ نحو 5.6 ملايين مشتغل، مقابل صعود قطاعات أخرى أبرزها تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 15.4% بما يعادل 4.6 ملايين مشتغل، وقطاع التشييد والبناء بنسبة 13.4% بما يعادل 4 ملايين مشتغل، وقطاع الصناعات التحويلية بنسبة 13% بنحو 3.9 ملايين مشتغل.
وأشار التقرير كذلك إلى أن التحول التكنولوجي المتسارع وتبني مفاهيم الاستدامة أعادا تشكيل ملامح القطاعات الاقتصادية وفتحا آفاقًا جديدة لفرص العمل غير التقليدية، خاصة في صناعات المستقبل مثل الإلكترونيات والبرمجيات والصناعات الدوائية الحيوية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة.
وفي هذا السياق، أشار إلى مبادرات وطنية عدة تشمل مصر تصنع الإلكترونيات واستراتيجية مصر الرقمية لصناعة التعهيد 2022-2026 ومبادرة ابدأ الهادفة إلى توطين الصناعات الحديثة، فضلًا عن التوسع في المناطق الصناعية الذكية والقرى الذكية وحاضنات الأعمال التكنولوجية.
وذكر التقرير أن صناعة الهواتف المحمولة في مصر يُقدر أن تخلق 10 آلاف فرصة عمل مباشرة خلال عام 2025، بعد دخول 15 شركة عالمية إلى السوق المصري بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنويًا.
وفي ملف التحول الرقمي، أوضح التقرير أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أصبح أحد المحركات الرئيسة لإعادة تشكيل سوق العمل المصري، بعدما سجل معدل نمو بلغ 13.76% خلال عام 2024/ 2025 مقابل 8.43% في عام 2013/ 2014.
كما ارتفعت الاستثمارات العامة في القطاع إلى 28.7 مليار جنيه خلال عام 2024/ 2025 مقابل 0.7 مليار جنيه فقط في عام 2013/ 2014، فيما بلغت مساهمته نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام نفسه، ووصلت إيرادات الصادرات الرقمية إلى نحو 7.4 مليارات دولار في عام 2025.
وبلغ عدد فئات الخدمات الإلكترونية الحكومية على منصة مصر الرقمية نحو 26 فئة من أصل ما يقرب من 210 خدمة حكومية رقمية خلال عام 2025، مع ارتفاع عدد المستخدمين المسجلين من 8.1 ملايين مستخدم في عام 2024 إلى 10.7 ملايين مستخدم في عام 2025.
ويستهدف قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الوصول إلى 500 ألف وظيفة بحلول نهاية عام 2026، بالتوازي مع توجه الشركات سريعة النمو إلى مصر كمركز إقليمي لخدمات التعهيد والخدمات العابرة للحدود والاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
كما تستهدف استراتيجية مصر الرقمية لصناعة التعهيد (2022-2026) خلق 215 ألف فرصة عمل مستدامة، مع بناء علامة تجارية قوية لمصر في مجالات التقنيات الرقمية المتقدمة وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
وفي التجارة الإلكترونية، قدر التقرير حجم السوق بنحو 10.39 مليارات دولار في عام 2025، مع توقعات ببلوغه 20.72 مليار دولار بحلول عام 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 14.8%.
أما على صعيد خدمات التعهيد، فقد ارتفعت إيراداتها من 2.4 مليار دولار في عام 2022 إلى 4.8 مليارات دولار في عام 2025. كما تضاعف عدد شركات التعهيد والخدمات العابرة للحدود العاملة في السوق المصرية من 90 شركة إلى أكثر من 240 شركة.
وفي نوفمبر 2025, وقعت 55 شركة عالمية مذكرات تفاهم لفتح مقرات لها في مصر أو توسيع أعمال مراكزها بالسوق المصري مع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا), وذلك خلال استضافة مصر القمة العالمية لصناعة التعهيد 2025. ومن المتوقع أن تسهم هذه الشراكات في توفير أكثر من 70 ألف فرصة عمل جديدة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وتناول التقرير أيضًا قطاع الطاقة المتجددة باعتباره أحد أكثر القطاعات الواعدة للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة, موضحًا أن تقديرات IRENA أظهرت تضاعف عدد الوظائف في قطاع الطاقة الشمسية الكهروضوئية ليصل إلى نحو 5.9 ألف وظيفة في عام 2024, بينما ارتفع عدد الوظائف في قطاع طاقة الرياح من 4000 وظيفة في عام 2023 إلى 5200 وظيفة في عام 2024.
وأشار كذلك إلى مشروع شركة Suren Solar الصينية لإنشاء مصانع بقدرة 2 جيجاوات لكل من الخلايا والوحدات الشمسية, مع توجه مستقبلي لتوطين إنتاج مكونات رئيسة مثل رقائق السيليكون, وهو ما يُتوقع أن يوفر أكثر من 1800 فرصة عمل مباشرة.
وفي ملف ريادة الأعمال, أوضح التقرير أن السوق المصري يضم 2118 شركة ناشئة, منها 600 شركة تعتمد على التكنولوجيا, إلى جانب أكثر من 400 جهة فاعلة بين مؤسسات حكومية ومراكز داعمة وحاضنات ومسرعات أعمال ومؤسسات تمويل واستثمار ملائكي.
وبحسب مؤشر النظام البيئي العالمي لريادة الأعمال, احتلت مصر المرتبة 65 من أصل 118 دولة عالميًا في عام 2025, لتتصدر شمال إفريقيا وتحل ثالثة على مستوى القارة الإفريقية, متقدمة 16 مركزًا مقارنة بالمرتبة 81 في عام 2020.

