لم تنتظر تونس كثيرًا بعد السقوط أمام السويد في افتتاح مشوارها بكأس العالم 2026، إذ قرر الاتحاد التونسي لكرة القدم إقالة المدرب صبري اللموشي وتعيين الفرنسي هيرفي رينارد مديرًا فنيًا جديدًا لمنتخب نسور قرطاج بعد ساعات قليلة من الخسارة 5-1.
وجاء القرار بعد واحدة من أصعب الليالي في تاريخ المنتخب التونسي بالمونديال، بعدما تلقى أكبر خسارة له في تاريخ مشاركاته بالبطولة ووجد نفسه في موقف معقد منذ الجولة الأولى من دور المجموعات.
وامتدت تداعيات النتيجة الثقيلة إلى حالة من الغضب الجماهيري والانتقادات الإعلامية الحادة، وسط مطالبات بضرورة التحرك السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
قرار عاجل لإنقاذ الحلم
وأعلن الاتحاد التونسي لكرة القدم تعيين هيرفي رينارد مدربًا للمنتخب حتى نهاية مشاركة الفريق في كأس العالم، مع وجود اتفاق مبدئي يسمح بفتح باب المفاوضات بعد البطولة من أجل مشروع طويل الأمد وفق أهداف رياضية محددة.
ويعكس هذا القرار قناعة المسؤولين في تونس بأن المرحلة الحالية تحتاج إلى مدرب يمتلك خبرات استثنائية في التعامل مع الظروف الصعبة والأزمات المفاجئة، وهي الصفات التي ارتبطت باسم رينارد على مدار مسيرته التدريبية.
فالمدرب الفرنسي لم يبنِ سمعته فقط عبر الألقاب والإنجازات، بل أيضًا من خلال قدرته على دخول أصعب اللحظات وإعادة الفرق والمنتخبات إلى الطريق الصحيح، وهو ما أكسبه لقب رجل المطافئ في أكثر من محطة كروية.
رجل الأزمات يعود إلى الواجهة
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها الاستعانة برينارد لإنقاذ موقف معقد أو إعادة بناء مشروع متعثر، ففي أكتوبر 2024 عاد المدرب الفرنسي إلى قيادة المنتخب السعودي خلال فترة حساسة بعد تراجع النتائج في التصفيات المؤهلة لكأس العالم.
ووقتها نجح في إعادة الاستقرار الفني للفريق وقاد الأخضر لاستعادة توازنه وحجز بطاقة التأهل إلى مونديال 2026.
وقبل ذلك بسنوات صنع رينارد واحدة من أشهر المفاجآت في تاريخ كأس العالم عندما قاد المنتخب السعودي للفوز على الأرجنتين بنتيجة 2-1 في مونديال قطر 2022 في مباراة ما زالت تُصنف بين أكبر مفاجآت البطولة عبر تاريخها.
كما تولى مهمة قيادة المنتخب الفرنسي للسيدات في ظروف صعبة عام 2023 بعد أزمة كبيرة بين اللاعبات والجهاز الفني السابق وتمكن من إعادة الهدوء والاستقرار للفريق وقيادته إلى مراحل متقدمة في البطولات الكبرى.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتجه أنظار الاتحاد التونسي نحوه فور تفجر الأزمة الحالية أملاً في أن يكرر السيناريو ذاته مع نسور قرطاج.
سجل أفريقي استثنائي
ويملك رينارد مكانة خاصة داخل القارة الأفريقية حيث يعد المدرب الوحيد الذي نجح في التتويج بكأس الأمم الأفريقية مع منتخبين مختلفين.
ففي عام 2012 قاد منتخب زامبيا لتحقيق واحدة من أكثر القصص إلهامًا في تاريخ الكرة الأفريقية عندما توج باللقب القاري للمرة الأولى في تاريخ البلاد.
وبعدها بثلاث سنوات فقط أعاد الإنجاز نفسه مع منتخب كوت ديفوار ليؤكد مكانته كواحد من أنجح المدربين الذين عملوا داخل القارة السمراء.
كما خاض تجربة ناجحة مع المنتخب المغربي حيث نجح في إعادة أسود الأطلس إلى نهائيات كأس العالم 2018 بعد غياب استمر عقدين كاملين وقدم خلال تلك الفترة صورة قوية للمنتخب المغربي على الساحة الدولية.
وتمنح هذه الخلفية الأفريقية المدرب الفرنسي أفضلية إضافية في مهمته الجديدة خاصة أنه يدرك طبيعة اللاعب الأفريقي ويعرف كيفية التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية في مثل هذه الظروف.
مهام عاجلة تنتظر المدرب الفرنسي
ورغم التاريخ الحافل والخبرات الكبيرة التي يمتلكها رينارد فإن المهمة الحالية تبدو من أصعب التحديات في مسيرته التدريبية.
فالمدرب الجديد تسلم الفريق في توقيت بالغ الحساسية حيث لم يعد هناك وقت كافٍ لإجراء تغييرات جذرية أو إعادة بناء المنظومة بالكامل، وإنما سيكون مطالبًا بإيجاد حلول سريعة تعيد الثقة إلى اللاعبين وتمنح المنتخب فرصة للعودة إلى المنافسة.
وتتمثل المهمة الأولى في الجانب النفسي بعدما تلقى اللاعبون صدمة قوية إثر الخسارة الثقيلة أمام السويد، وهو ما يتطلب عملًا مكثفًا لاستعادة الثقة المفقودة وإعادة الروح القتالية إلى المجموعة.
أما التحدي الثاني فيرتبط بإصلاح الأخطاء الدفاعية التي ظهرت بصورة واضحة خلال المباراة الأولى بعدما استقبل المنتخب خمسة أهداف كشفت عن وجود مشكلات تنظيمية كبيرة تحتاج إلى معالجة عاجلة.
في المقابل سيكون رينارد مطالبًا بإعادة التوازن للفريق هجوميًا أيضًا خاصة أن المنتخب بدا عاجزًا عن مجاراة إيقاع المباراة بعد التأخر في النتيجة.
هل ينجح رينارد في تكرار المعجزة؟
ورغم صعوبة الموقف فإن كثيرين داخل تونس ما زالوا يتمسكون بالأمل في قدرة المدرب الفرنسي على تغيير المشهد خلال فترة قصيرة.
فالمنتخب التونسي لا يزال يمتلك فرصة حسابية للمنافسة كما أن وجود مدرب بحجم وخبرة رينارد يمنح اللاعبين دفعة معنوية مهمة قبل المواجهات المقبلة.
وربما لهذا السبب تحديدًا اختارت تونس الرهان على الرجل الذي اعتاد الظهور في أصعب اللحظات، فبين سجل حافل بالإنجازات وسمعة اكتسبها من قدرته على إنقاذ المشاريع المتعثرة يدخل هيرفي رينارد مغامرته الجديدة واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا هو إعادة نسور قرطاج إلى الحياة بعد السقوط الكبير أمام السويد.

