أكد خبراء في ندوة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي أن المتغيرات الجيوسياسية باتت تعيد تشكيل ملامح المخاطر الاقتصادية عالميا بما يفرض على الدول بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على التكيف.
وخلال الندوة التي حملت عنوان قراءة في التأثيرات الاقتصادية لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط أكد المشاركون أن مصر يمكنها تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لتعزيز تنافسيتها إذا تم تسريع الإصلاحات الهيكلية المطلوبة.
وشارك في الندوة الدكتور أحمد جلال وزير المالية الأسبق وميغيل إدواردو سانشيز مارتن كبير الاقتصاديين المعني بملف مصر وجيبوتي واليمن بمجموعة البنك الدولي وسعد صبرة مدير مكتب مؤسسة التمويل الدولية IFC في مصر وأدارت الندوة الدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز.
وقال ميغيل إدواردو إن تأثير الصراع الحالي يتركز بصورة أكبر على اقتصادات الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط بينما تمتد آثار التضخم وارتفاع الأسعار إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وأشار إلى أن مصر دخلت الأزمة وهي في وضع اقتصادي أفضل مقارنة بفترات سابقة مدعومة بإصلاحات سعر الصرف والانضباط المالي وتحسينات بيئة الأعمال وهو ما انعكس في تسارع النمو الاقتصادي إلى 5.3% خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بمتوسط 2.4% خلال عام 2024.
وأضاف أن الاقتصاد المصري شهد تحسنا في مؤشرات سوق العمل ونموا في الصادرات غير البترولية والسياحة كما ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنحو 30% فضلا عن تحسن أداء المالية العامة نتيجة إصلاحات الإدارة الضريبية.
وأوضح أيضا أن مصر تعرضت في بداية الأزمة لتدفقات خارجة من استثمارات المحافظ بلغت 9.2 مليار دولار وانخفضت القيمة السوقية للبورصة بنحو 12% قبل أن تستعيد جانبا كبيرا من خسائرها مشيرا إلى أن مرونة سعر الصرف ساهمت في امتصاص الصدمة دون استنزاف الاحتياطيات الدولية بخلاف أزمات سابقة.
وبحسب حديثه بدأت مؤشرات المخاطر السيادية تتحسن تدريجيا مع تراجع حدة التوترات كما أظهر قطاع السياحة قدرة على الصمود محققا نموا في الإيرادات بنحو 15% خلال الربع الأول رغم اضطرابات حركة الطيران.
وفيما يتعلق بالتضخم قال إن ارتفاعه الأخير جاء مدفوعا بصورة رئيسية بزيادة أسعار الطاقة والمرافق مع التأكيد على ضرورة متابعة تضخم الغذاء وتأثيره على مستويات الفقر والقوة الشرائية مشددا على أن خلق فرص العمل وتعزيز دور القطاع الخاص يمثلان المسار الأكثر استدامة للحد من الفقر.
ومن جهته أكد سعد صبرة أن ما تشهده المنطقة لا يمثل أزمة اقتصادية مؤقتة فقط بل اختبارا هيكليا للاقتصادات في ظل واقع عالمي جديد أصبحت فيه الجغرافيا السياسية عنصرا رئيسيا في قرارات الاستثمار.
وقال إن مصر تمتلك فرصة لتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق لتعزيز تنافسيتها مستفيدة من موقعها الجغرافي واستقرارها النسبي مقارنة بدول المنطقة مشيرا إلى أن مؤسسة التمويل الدولية تضخ أكثر من مليار دولار سنويا في مشروعات داخل مصر مع استمرار اهتمام المستثمرين بقطاعات الصناعة والخدمات.
وشدد صبرة على ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز تكافؤ الفرص بما يسمح بتعبئة المزيد من الاستثمارات الخاصة سواء المحلية أو الأجنبية مع تركيز دور الدولة بصورة أكبر على التنظيم وتهيئة بيئة الأعمال وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن التحولات الجيوسياسية الحالية تفرض على مصر الإسراع بتنويع مصادر الطاقة واستكمال إصلاحات قطاع الكهرباء وتطوير الخدمات اللوجستية وتوسيع فرص الحصول على التمويل باعتبارها عناصر أساسية لرفع تنافسية الاقتصاد.
وأكد الدكتور أحمد جلال أن العالم دخل مرحلة أصبحت فيها الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية هي الوضع الطبيعي الجديد وهو ما يفرض الاستعداد المسبق للأزمات بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها بعد وقوعها.
وأوضح أن تقييم أداء الاقتصاد المصري يجعله ضمن المنطقة الرمادية حيث نجحت الحكومة في التعامل مع الآثار قصيرة الأجل عبر السماح بمرونة سعر الصرف والحفاظ على الانضباط المالي وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية وتجنب قرارات استثنائية قد تزيد اضطراب الأسواق.
لكنه شدد على أن الاختبار الحقيقي يتمثل في الإصلاحات الهيكلية وعلى رأسها إعادة تحديد دور الدولة في الاقتصاد بما يسمح بتوسيع دور القطاع الخاص وتعزيز المنافسة وتحسين البيئة التنظيمية إضافة إلى إعادة النظر في إدارة الدين العام وتحقيق تكامل أكبر في إدارة الموارد العامة ومواءمة السياسات التجارية والصناعية مع هدف زيادة الصادرات.
وأشار جلال إلى أن الاقتصادات الناجحة تعتمد على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية باعتباره المصدر الأكثر استدامة للنقد الأجنبي مؤكدا أيضا أن إمكانات نمو الاقتصاد المصري أكبر بكثير من معدلاته الحالية وأن تحقيق نمو يتراوح بين 7 و8% يعد السبيل الحقيقي لتحسين مستويات المعيشة بينما لن تكون معدلات النمو الحالية كافية لإحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.
كما أوضح أن مواجهة التضخم تتطلب زيادة الإنتاجية وتحسين كفاءة السياسات النقدية والمالية وليس اللجوء إلى التدخل المباشر في تحديد الأسعار.
وفي ختام الندوة قالت الدكتورة عبلة عبد اللطيف إن مصر أصبحت اليوم أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي مقارنة بأي وقت مضى بفضل الاستقرار النسبي داخل منطقة تشهد اضطرابات متزايدة لكنها شددت على أن هذه الميزة لن تستمر ما لم تستكمل الإصلاحات المطلوبة بسرعة.
وأكدت ضرورة إزالة المعوقات التي تواجه المستثمرين وفي مقدمتها توفير الأراضي الصناعية المرفقة والبنية الأساسية الجاهزة مشيرة إلى أن خلق فرص العمل يبدأ بجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج وليس عبر برامج التوظيف وحدها كما دعت إلى منح أوضاع الطبقة المتوسطة اهتماما أكبر عند تصميم السياسات الاقتصادية معتبرة أن تحديات الفقر تتجاوز نطاق برامج الحماية الاجتماعية وتتطلب سياسات اقتصادية أكثر شمولا.
كما أشارت إلى أهمية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة مثل التجربة البولندية مؤكدة أن الدول القادرة على تحقيق التحول الاقتصادي تمتلك رؤية واضحة وتنفذ إصلاحاتها بسرعة وحسم.
وبالنسبة للمتغيرات الجيوسياسية شددت عبد اللطيف على متابعة مشروع ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا IMEC وتأثيراته المحتملة على حركة التجارة العالمية معتبرة أن مصر تمتلك بدائل تنافسية قوية بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية بما يؤهلها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية إذا أحسنت استثمار هذه المزايا.

