يقترب الغاز الطبيعي من إزاحة النفط كأكبر مصدر للطاقة في الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ 75 عامًا، بعدما تقلص الفارق بينهما بشكل كبير خلال عام 2025، مع ترجيح أن يتجاوز الغاز النفط بحلول نهاية العقد الحالي.

ويمثل هذا التحول نهاية مرحلة بدأت عام 1950، عندما أنهى النفط هيمنة الفحم الطويلة على مشهد الطاقة الأمريكي.

وقال توبي رايس، الرئيس التنفيذي لشركة إي كيو تي، إحدى أكبر شركات إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، إنه يعتقد أن هذه النقطة ستتحقق خلال العامين المقبلين على الأرجح، مضيفًا أنه بحلول عام 2030 سيكون الغاز الطبيعي متقدمًا بفارق كبير على النفط.

وبحسب ما أوردته وكالة بلومبرج الأمريكية، يعكس هذا الانتقال من الاعتماد على النفط إلى الاعتماد بصورة أكبر على الغاز الطبيعي حجم التأثير الذي أحدثته وفرة الغاز منخفض التكلفة في إعادة تشكيل قطاع الطاقة وإزاحة مصادر الوقود المنافسة.

ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، شكل الغاز الطبيعي 36% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة خلال عام 2025، مقابل 37% للنفط، وتقلصت الفجوة بين المصدرين خلال العقد الماضي مع الطفرة الكبيرة في إنتاج الغاز الناتجة عن ثورة النفط والغاز الصخري، بينما أصبح الاقتصاد الأمريكي أكثر اعتمادًا على الكهرباء واستقر الطلب على البنزين، وهو أكبر مصدر للطلب المحلي على النفط.

كما أدى انتشار السيارات الكهربائية والتوسع في إنشاء مراكز البيانات إلى زيادة الطلب على الكهرباء المولدة من محطات الغاز الطبيعي، ما يفرض ضغوطًا إضافية على شبكة الكهرباء الأمريكية، ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة يتم توليد أكثر من 40% من الكهرباء في الولايات المتحدة من خلال حرق الغاز الطبيعي.

وساهم انتشار السيارات الكهربائية جزئيًا في تراجع الطلب على البنزين، وهو طلب لا يُتوقع أن يعود إلى المستويات التي سجلها قبل جائحة كوفيد-19، رغم استمرار الأمريكيين في زيادة معدلات القيادة سنويًا.

وقال مارك براونشتاين، نائب الرئيس الأول لشؤون تحول الطاقة في صندوق الدفاع البيئي، إن الحقائق لا تكذب وإن الولايات المتحدة تمر بالفعل بمرحلة انتقال في قطاع الطاقة بعيدًا عن الفحم والنفط نحو الكهرباء المنتجة من الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يرتفع الطلب على النفط في الولايات المتحدة بنسبة 0.6% فقط بين عامي 2025 و2027، بينما يقفز الطلب على الغاز الطبيعي بنسبة 3.4% خلال الفترة نفسها، وهو ما سيؤدي إلى تقليص الفجوة بين أكبر مصدرين للطاقة.

وفي العقود الماضية كان معظم إنتاج الكهرباء في الولايات المتحدة يعتمد على الفحم، لكن منذ ظهور تقنيات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي خلال العقد الأول من الألفية الحالية، والتي أتاحت استخراج احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي كانت غير مجدية اقتصاديًا في السابق، أصبح الغاز الطبيعي يحل تدريجيًا محل الفحم باعتباره الوقود الرئيسي لمحطات توليد الكهرباء في البلاد.

ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة جرى استبدال أو تحويل أكثر من 100 محطة تعمل بالفحم إلى الغاز الطبيعي خلال الفترة بين عامي 2011 و2020، ورغم تخصيص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مئات الملايين من الدولارات من أموال دافعي الضرائب لإحياء صناعة الفحم، فمن المرجح أن يستمر تراجع هذا القطاع مع انتشار مصادر طاقة أرخص مثل طاقة الرياح البرية والطاقة الشمسية على نطاق المرافق إلى جانب الغاز الطبيعي.

وقال إيرا جوزيف، الباحث البارز في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن الغاز الطبيعي يهيمن على قطاع الكهرباء لأنه منخفض التكلفة للغاية، مضيفًا أن هناك كميات هائلة من الغاز الطبيعي في هذا البلد.

وأوضح توبي رايس أن الجدوى الاقتصادية لمحطات الكهرباء العاملة بالغاز لم تقتصر على إزاحة الفحم، بل ساهمت أيضًا في تسريع تحول الاقتصاد الأمريكي نحو الاعتماد على الكهرباء بصورة عامة.

كما أسهم التوسع في استخدام طاقتي الرياح والشمس في تعزيز دور محطات الغاز الطبيعي، نظرًا لقدرتها على زيادة الإنتاج أو خفضه بسرعة أكبر مقارنة بمحطات الفحم والطاقة النووية عندما ينخفض إنتاج مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة.

وأشار تقرير بلومبرج إلى أن احتساب الغاز الطبيعي كأكبر مصدر للطاقة في الولايات المتحدة لا يشمل النمو الهائل في صادرات الغاز الطبيعي المسال، فالولايات المتحدة أصبحت بالفعل أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ومن المتوقع أن يتضاعف حجم صادراتها تقريبًا بحلول نهاية العقد الحالي.

وتتوقع شركة شل الأمريكية للطاقة أن يمثل الغاز المستخدم في تغذية مصانع تصدير الغاز الطبيعي المسال نحو 23% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي الأمريكي بحلول عام 2035، وفقًا لتقريرها السنوي عن سوق الغاز الطبيعي المسال.

لكن الغاز الطبيعي ليس المصدر الوحيد الذي يشهد نموًا، إذ نمت مصادر الطاقة المتجددة وخاصة طاقتي الرياح والشمس بوتيرة أسرع من الغاز الطبيعي بحسب مارك براونشتاين.

ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة تضاعف استخدام طاقتي الرياح والشمس أكثر من 3 مرات بين عامي 2015 و2025، بينما ارتفع استخدام الغاز الطبيعي بنسبة 23% فقط رغم أن الزيادة المطلقة في استهلاك الغاز كانت أكبر.

وقال توبي رايس إن الولايات المتحدة انتقلت من عصر الخشب والخيول إلى عصر الفحم ثم إلى عصر النفط، والآن دخلت عصر الاعتماد على الكهرباء، مضيفًا أن هذا العصر سيقوده إلى حد كبير الغاز الطبيعي.