أثارت خسارة منتخب مصر أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026 موجة واسعة من الجدل التحكيمي، بعدما تحولت القرارات المثيرة للجدل وتقنية حكم الفيديو المساعد إلى محور نقاش امتد إلى وسائل الإعلام العالمية. ودفعت هذه الأجواء كثيرين إلى طرح سؤال مباشر: هل يمكن أن تؤثر المراهنات أو الفساد على مجريات مباراة في كأس العالم؟
ورغم أن الإجابة تبدو بعيدة، فإن تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه أعاد هذا السؤال إلى الواجهة، خاصة مع اتساع سوق المراهنات الرياضية إلى مستويات ضخمة، وتحوله إلى صناعة تقدر بمئات المليارات من الدولارات، ما يثير مخاوف من محاولات اختراق اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
عندما اهتزت صورة فيفا
في عام 2015، انفجرت واحدة من أكبر فضائح الفساد الرياضي في العصر الحديث، بعدما أعلنت السلطات الأمريكية توجيه اتهامات إلى عدد من كبار مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم وشركات تسويق رياضي، في قضايا شملت الرشوة وغسيل الأموال والاحتيال، وارتبط بعضها ببيع الحقوق التجارية والتصويت على استضافة بطولات كأس العالم.
شكلت تلك القضية نقطة تحول في صورة الاتحاد الدولي، وأثبتت أن الفساد يمكن أن يصل إلى أعلى مستويات إدارة اللعبة، حتى وإن لم يثبت حينها وجود تلاعب بنتائج مباريات كأس العالم نفسها. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد السؤال مقتصرًا على هوية الدولة المستضيفة، بل امتد إلى احتمال وصول إغراءات المال إلى المستطيل الأخضر.
593 مليار دولار على سوق المراهنات
تفرض الأرقام نفسها بقوة على هذا الجدل، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن حجم المراهنات المرتبطة بكأس العالم 2026 قد يصل إلى نحو 593 مليار دولار، بينما يمر ما يقرب من 69% من هذه الأموال عبر أسواق غير منظمة أو غير مرخصة.
وتحذر تقديرات النزاهة الرياضية من أن هذه الأسواق قد تُستخدم في غسل الأموال وتمويل الجريمة المنظمة ومحاولات التأثير على المنافسات الرياضية. ورغم عدم وجود أدلة أو أحكام قضائية تثبت التلاعب بنتائج مباريات كأس العالم لخدمة المراهنات، فإن البطولات الكبرى تظل هدفًا مغريًا لمحاولات الاختراق.
لهذا السبب تستثمر فيفا والاتحادات القارية ملايين الدولارات في أنظمة مراقبة وتحليل لرصد أي نشاط غير طبيعي قبل أن يتحول إلى أزمة تهز اللعبة.
كيف تغيرت النظرة إلى الفساد داخل كرة القدم
لسنوات طويلة، قدم الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه باعتباره الحارس الأول للعبة الأكثر شعبية في العالم، الجهة التي تضع القوانين وتحمي نزاهة المنافسات وتشرف على تنظيم كأس العالم. لكن صباح السابع والعشرين من مايو عام 2015 غيّر هذه الصورة بشكل دراماتيكي، بعدما تحولت مدينة زيورخ السويسرية إلى مسرح لواحدة من أكبر عمليات القبض في تاريخ الرياضة.
في ذلك اليوم، داهمت الشرطة السويسرية أحد الفنادق الفاخرة بناءً على طلب من السلطات الأمريكية، وألقت القبض على عدد من كبار مسؤولي فيفا. كما أعلنت وزارة العدل الأمريكية توجيه اتهامات إلى مسؤولين حاليين وسابقين ومديرين تنفيذيين في شركات التسويق الرياضي، في قضية وصفتها بأنها شبكة فساد امتدت لأكثر من 24 عامًا.
وشملت الاتهامات تكوين منظمة إجرامية والاحتيال وغسيل الأموال والحصول على رشاوى بمئات الملايين من الدولارات مقابل منح حقوق البث والرعاية والتسويق لبطولات كرة القدم الدولية.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الحديث عن الفساد داخل كرة القدم مجرد اتهامات يرددها المشجعون عقب الهزائم، بل أصبح ملفًا تتعامل معه جهات إنفاذ القانون وأجهزة مكافحة غسل الأموال والهيئات الرقابية الدولية باعتباره خطرًا حقيقيًا. كما غيّرت فضيحة 2015 نظرة العالم إلى السؤال الذي كان يبدو مستبعدًا: إذا كان المال قد اخترق بعض دوائر صنع القرار داخل أكبر مؤسسة كروية في العالم، فما الذي يمنع محاولات التأثير على عناصر أخرى داخل المنظومة الرياضية؟
هل يمكن شراء صافرة الحكم
يبقى الحكم أحد أكثر العناصر تأثيرًا في أي مباراة كرة قدم، لأن قرارًا واحدًا باحتساب ركلة جزاء أو إشهار بطاقة حمراء أو احتساب وقت بدل ضائع طويل قد يغير مسار اللقاء بالكامل.
وفي مواجهة مصر والأرجنتين بدور الـ16، ظهر الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسييه متحيزًا بشكل صارخ لصالح المنتخب الأرجنتيني بحسب ما ورد في النص الأصلي، إذ لم تكن قراراته مجرد أخطاء تحكيمية عادية، بل بدت وكأنها جزء من خطة مدبرة لضمان استمرار الأرجنتين وليونيل ميسي في البطولة.
فقد أُلغي هدف مشروع لمصطفى زيكو بعد تدخل تقنية حكم الفيديو المساعد VAR رغم أن اللقطة لم تكن تستدعي هذا القرار، كما تجاهل طلبات المنتخب المصري بمراجعة ركلة جزاء واضحة لمحمد صلاح، بينما سمح للأرجنتينيين بالاستفادة من قرارات مشبوهة في الدقائق الحاسمة أدت إلى قلب نتيجة المباراة.
ويرى بعض النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي أن كل المؤشرات تؤكد وجود صفقة خفية لإبقاء ميسي في دائرة المنافسة، سواء لأغراض تجارية أو للمراهنات أو لمصالح الفيفا السياسية.
المراهنات والبطولات الكبرى
لا يعني ذلك بالضرورة أن مباريات كأس العالم تُدار خارج المستطيل الأخضر أو أن هناك أدلة قضائية تثبت التلاعب بنتائج البطولة لصالح منتخب بعينه. لكن تضخم سوق المراهنات الرياضية وتحول كرة القدم إلى صناعة تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات جعلا ملف النزاهة أكثر حساسية لدى الجهات الدولية.
ومن هنا تظل الأسئلة مفتوحة حول مدى قدرة المال على التأثير في تفاصيل اللعبة، سواء داخل المكاتب أو على أرض الملعب، خاصة مع استمرار المخاوف المرتبطة بالأسواق غير المنظمة وحجم الأموال المتداولة فيها.

