قال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، إن افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمركز القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة يمثل استثمارا طويل الأجل في حماية الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن الأمن والاستقرار يشكلان الأساس الحقيقي لجذب الاستثمارات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي.
وأوضح الجوهرى أن المشروع يأتي في وقت يشهد العالم تغيرات جيوسياسية غير مسبوقة، مع تصاعد الصراعات المسلحة وازدياد المخاطر الأمنية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل امتلاك دولة بحجم مصر لمنظومة قيادة وسيطرة متطورة ضرورة استراتيجية وليست مجرد خطوة تنظيمية.
وأضاف أن سرعة اتخاذ القرار في أوقات الأزمات أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية قبل أن تكون عنصرا من عناصر القوة العسكرية، مشيرا إلى أن المستثمر الدولي لا ينظر فقط إلى أسعار الأراضي أو الإعفاءات الضريبية، بل يضع في مقدمة أولوياته قدرة الدولة على حماية استثماراته وضمان استمرار العمل في مختلف الظروف.
وأكد الخبير الاقتصادى أن العلاقة بين الأمن والتنمية علاقة تكاملية، فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في بيئة مضطربة، كما لا يمكن الحفاظ على الأمن في ظل اقتصاد ضعيف، لافتا إلى أن بناء مركز قيادة استراتيجي حديث يأتي ضمن منظومة الإصلاح الشامل التي تنفذها الدولة المصرية منذ سنوات.
وأشار إلى أن هذه المنظومة شملت تحديث البنية الأساسية وإنشاء المدن الجديدة وتطوير شبكة الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية ومشروعات الطاقة العملاقة، وهو ما يعكس ارتباط الأمن مباشرة بقدرة الدولة على دعم النمو وحماية مكتسبات التنمية.
وقال الجوهرى إن المشروع يعكس تطورا كبيرا في مفهوم إدارة الدولة الحديثة، بعدما أصبحت التكنولوجيا والرقمنة وإدارة المعلومات من أهم عناصر القوة الوطنية، موضحا أن المركز يعتمد على أحدث نظم الاتصالات والتحكم وإدارة البيانات بما يتيح سرعة تداول المعلومات ودقة اتخاذ القرار والتنسيق الكامل بين أجهزة الدولة.
وأضاف أن ذلك يساهم في تقليل زمن الاستجابة للأزمات وخفض تكلفة التعامل معها والحد من الخسائر الاقتصادية المحتملة، كما يبعث برسالة طمأنة إلى المؤسسات المالية الدولية وشركات التصنيف الائتماني والمستثمرين بأن الدولة المصرية تمتلك بنية مؤسسية حديثة قادرة على إدارة المخاطر بكفاءة.
ولفت إلى أن أهمية المركز لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى حماية الاستثمارات القومية التي نفذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، والتي تقدر بمئات المليارات من الجنيهات وتشمل العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق والكباري والقطار الكهربائي السريع والموانئ البحرية والمناطق الصناعية ومحطات الكهرباء العملاقة ومشروعات الغاز الطبيعي والاكتشافات البترولية الجديدة.
وأوضح أن هذه المشروعات تمثل أصولا اقتصادية ضخمة تحتاج إلى منظومة مؤسسية قوية قادرة على حمايتها وضمان استمرار تشغيلها بكفاءة، وهو ما ينعكس إيجابيا على تقييم مناخ الاستثمار ويخفض درجة المخاطر المرتبطة بالاستثمار داخل السوق المصرية ويعزز فرص الحصول على التمويل بشروط أفضل.
وأشار الجوهرى إلى أن تنفيذ المشروع اعتمد بدرجة كبيرة على الشركات الوطنية والخبرات المصرية في مجالات الإنشاءات والهندسة والبنية الرقمية وأنظمة الاتصالات والتكنولوجيا، وهو ما ساهم في نقل الخبرات ورفع كفاءة الكوادر الوطنية وتحفيز الصناعات المغذية وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
وأضاف أن افتتاح المركز يؤكد نجاح الدولة في توطين التكنولوجيا الحديثة داخل المؤسسات السيادية، بما يفتح المجال أمام تطوير الصناعات الدفاعية والإلكترونية والبرمجيات الوطنية ويزيد من الاعتماد على القدرات المحلية في تصميم وتشغيل الأنظمة المتقدمة، وهو ما يقلل فاتورة الاستيراد ويعزز القيمة المضافة المحلية ويرفع تنافسية الاقتصاد المصري.
وأكد الخبير الاقتصادى أن أهمية المشروع تتضاعف لارتباطه بالعاصمة الإدارية الجديدة التي أصبحت تمثل مركز إدارة الدولة الحديثة، حيث يجري نقل المؤسسات الحكومية والهيئات الرئيسية إلى بيئة تعتمد على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات بما يرفع كفاءة الأداء الحكومي ويخفض تكاليف التشغيل ويزيد سرعة تقديم الخدمات.
واختتم الجوهرى بالتأكيد على أن افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمركز القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية لا يمثل مجرد افتتاح منشأة جديدة، بل يعبر عن فلسفة دولة تؤمن بأن الأمن هو البنية الأساسية للاقتصاد وأن حماية مقدرات الوطن استثمار طويل الأجل ينعكس على الثقة في الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات وزيادة معدلات النمو وترسيخ مكانة مصر كقوة إقليمية تمتلك مؤسسات حديثة واقتصادا قادرا على مواجهة تحديات المستقبل.

